كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٤٦ - باب بعثة برزويه الى بلاد الهند في تحصيل هذا الكتاب
و أنا قد يداخلني من مودّتك و مخالطتك مع أنسي بقربك سرور لا يعدله [١] شيء، و هذا الأمر الذي تطلبه مني أعلم أنّه من الأسرار التي لا تكتم فلا بدّ أن يفشو [٢] و يظهر حتى يتحدّث به النّاس، فإذا فشا فقد سعيت في هلاكي هلاكا لا أقدر على الفداء منه بالمال و إن كثر، لأن ملكنا فظّ [٣] غليظ يعاقب على الذّنب الصّغير أشدّ العقاب فكيف مثل هذا الذّنب العظيم و إذا حملتني المودّة التي بيني و بينك فأسعفتك بحاجتك لم يردّ عقابه عني شيء.
قال برزويه: إنّ العلماء قد مدحت الصّديق إذا كتم سرّ صديقه و أعانه على الفوز، و هذا الأمر الذي قدمت له لمثلك ذخرته و بك أرجو بلوغه و أنا واثق بكرم طباعك و وفور عقلك فيه، و إن كنت قد وصل إليك مني ما وصل من المشقة فأنعم بتحمّل ذلك، و اعلم انّك لا تخشى مني و لا تخاف أن أبديه بل تخشى أهل بلدك المطيفين بك و بالملك أن يسعوا بك إليه [٤] و يبلّغوه ذلك عنك، و أنا أرجو أن لا يشيع شيء من هذا الأمر لأني أنا ظاعن [٥] و أنت مقيم و ما أقمت [٦] فلا ثالث بيننا... فتعاهدا على هذا جميعا.
و كان الهنديّ خازن الملك و بيده مفاتيح خزائنه فأجابه إلى ذلك الكتاب و إلى غيره من الكتب و سلّمها إليه، فأكبّ [٧] على تفسيره و نقله من اللّسان الهنديّ إلى اللّسان الفارسيّ، و أتعب نفسه و أنصب بدنه [٨] نهارا و ليلا و هو مع ذلك وجل [٩] فزع من ملك الهند خائف على نفسه من أن يذكر الملك الكتاب في وقت و لا يصادفه في خزانته، فلمّا فرغ من انتساخ الكتاب و غيره ممّا أراد من سائر الكتب
[١] لا يعد له شيء: أي لا يساويه.
[٢] يفشو: يظهر و ينتشر.
[٣] الفظ: الشديد الغليظ القلب.
[٤] سعى بالرجل: وشى عليه.
[٥] ظاعن: راحل.
[٦] أي مدة اقامتي.
[٧] أكب على الشيء: لازمه.
[٨] أنصب بدنه: أتعبه.
[٩] وجل: خائف.