كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٢٢١ - باب الناسك و الضيف
باب الناسك و الضيف
قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل فاضرب لي مثل الذي يدع صنعه الذي يليق به و يشاكله [١] و يطلب غيره فلا يدركه فيبقى حيران متردّدا.
قال الفيلسوف: زعموا أنّه كان بأرض الكرخ ناسك عابد مجتهد، فنزل به ضيف ذات يوم فدعا النّاسك لضيفه بتمر ليطرفه به [٢] فأكلا منه جميعا، ثمّ قال الضيف: ما أحلى هذا التمر و أطيبه فليس هو في بلادي التي أسكنها و ليته كان فيها، ثمّ قال أرى أن تساعدني على أن آخذ منه ما أغرسه في أرضنا فانّي لست عارفا بثمار أرضكم هذه و لا بمواضعها. قال له النّاسك: ليس لك في ذلك راحة فانّه يثقل عليك و لعلّ ذلك لا يوافق أرضكم مع أنّ بلادكم كثيرة الأثمار فما حاجتها مع كثرة ثمارها إلى التمر مع وخامته و قلّة موافقته للجسد. ثمّ قال له النّاسك: إنّه لا يعدّ حليما من طلب ما لا يجد، و إنّك سعيد الجدّ [٣] إذا قنعت بالذي تجد و زهدت فيما لا تجد، و كان هذا النّاسك يتكلّم بالعبرانيّة فاستحسن الضّيف كلامه و أعجبه فتكلّف أن يتعلّمه و عالج في ذلك نفسه أيّاما، فقال النّاسك لضيفه: ما أخلقك [٤] أن تقع ممّا تركت من كلامك و تكلّفت من كلام العبرانيّة في مثل ما وقع فيه الغراب، قال الضّيف: و كيف كان
[١] يشاكله: يوافقه.
[٢] ليطرفه به: ليتحفه.
[٣] الجد: الحظ.
[٤] ما أخلقك: ما أجدرك.
غ