كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٣٦ - باب بعثة برزويه الى بلاد الهند في تحصيل هذا الكتاب
باب بعثة برزويه الى بلاد الهند في تحصيل هذا الكتاب
الحمد للّه الذي بيده مفاتيح غيبه، و إليه منتهى كلّ علم و غاية، الدالّ على الخير المسبّب كلّ فضيلة، ألهم عباده كلّ ما يقرّبهم إليه من نوافل [١] الخيرات، و نوامي البركات، لمّا أمر اللّه تعالى عباده من العلم و الحكمة إذ أمرهم بالشّكر له ليستوجبوا بذلك المزيد منه و يسارعوا فيما يرضيه عنهم تبارك اللّه رب العالمين.
و قد جعل اللّه لكلّ مسبّب علّة و لكلّ علة مجرى يجريها اللّه تعالى به على يد عبد من عبيده و يقدّرها له على أيّام دولته و أيّام عمره، و ذلك أنّ ما كان من علم انتساخ هذا الكتاب و نقله من أرض الهند إلى مملكة فارس إلهام ألهمه اللّه كسرى أنو شروان للبعث في نقله و نسخه، لأنه كان أكبر ملوك الفرس، و أكثرهم حكمة و أسدّهم رأيا و أرشدهم تدبيرا، و أحبّهم للعلوم و أبحثهم عن مكامن [٢] العلم و الأدب، و أحرصهم على الخير و تقرّبه إلى اللّه تعالى و إلى اقتناء ما يزينه بزينة الحكمة من طالبي الأدب و العلم في معرفة الخير و الشرّ و النفع و الضّرّ و الصّديق و العدوّ، و لم يكن يعرف ذلك إلاّ بنور اللّه تعالى في سياسته عبيده و بلاده لإقامة رعيّته و أموره، و هو الملك المعظّم في قومه، كسرى المتزيّن بزينة البهاء، الفاضل
[١] النوافل: جمع نافلة و هي عطية التطوع. و نوامي: جمع نامية.
[٢] المكامن جمع مكمن: المخابئ