كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٣٤ - باب مقدمة الكتاب
فلمّا تمّ الحول [١] أنفذ إليه الملك أن قد جاء الوعد فما ذا صنعت، فأنفذ إليه بيدبا إني على ما وعدت الملك فليأمرني بحمله بعد أن يجمع أهل المملكة لتكون قراءتي هذا الكتاب بحضرتهم [٢] فلمّا رجع الرّسول إلى الملك سرّ بذلك و وعده يوما يجمع فيه أهل المملكة، ثمّ نادى في أقاصي بلاد الهند ليحضروا قراءة الكتاب، فلمّا كان ذلك اليوم أمر الملك أن ينصب لبيدبا سرير مثل سريره و كراسيّ لأبناء الملوك و العلماء و أنفذ فأحضره، فلمّا جاءه الرّسول قام فلبس الثّياب التي كان يلبسها إذا دخل على الملوك و هي المسوح السّود و حمّل الكتاب تلميذه، فلمّا دخل على الملك وثب الخلائق بأجمعهم و قام الملك شاكرا، فلمّا قرب من الملك كفّر له و سجد و لم يرفع رأسه، فقال له الملك: يا بيدبا ارفع رأسك فإنّ هذا يوم هناء و فرح و سرور.. و أمره الملك أن يجلس، فحين جلس لقراءة الكتاب سأله الملك عن معنى كلّ باب من أبواب الكتاب و إلى أيّ شيء قصد فيه فأخبره بغرضه فيه و في كلّ باب، فازداد الملك منه تعجّبا و سرورا فقال له: يا بيدبا ما عدوت [٣] الذي في نفسي و هذا الذي كنت أطلب فاطلب ما شئت و تحكّم.. فدعا له بيدبا بالسّعادة و طول الجدّ [٤] و قال: أيّها الملك أمّا المال فلا حاجة لي فيه و أمّا الكسوة فلا أختار على لباسي هذا شيئا و لست أخلي الملك من حاجة [٥] قال الملك: يا بيدبا ما حاجتك فكلّ حاجة لك مقضية، قال: يأمر الملك أن يدوّن كتابي هذا كما دوّن آباؤه و أجداده كتبهم و يأمر بالمحافظة عليه فإني أخاف أن يخرج من بلاد الهند فيتناوله أهل فارس إذا علموا به، فالملك يأمر أن لا يخرج من بيت الحكمة.. ثمّ دعا الملك بتلاميذه و أحسن لهم الجوائز.
[١] الحول: العام.
[٢] بحضرتهم: أي بحضورهم.
[٣] عدوت: تجاوزت.
[٤] الجد (بالفتح) : العظمة و الحظ.
[٥] أخلي: أعفي.