كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٢٦ - باب مقدمة الكتاب
في كلامي له، و إنما نفعه و شرفه راجع إليه و أكون أنا قد قضيت فرضا وجب عليّ فأقول:
«أيّها الملك إنك في منازل آبائك و أجدادك من الجبابرة الذين أسّسوا الملك قبلك و شيّدوه دونك و بنوا القلاع و الحصون و مهّدوا البلاد و قادوا الجيوش و استجاشوا [١] العدّة و طالت لهم المدّة، و استكثروا من السلاح و الكراع [٢] ، و عاشوا الدّهور، في الغبطة [٣] و السرور، فلم يمنعهم ذلك من اكتساب جميل الذكر، و لا قطعهم عن اغتنام الشّكر، و استعمال الإحسان فيما خوّلوه [٤] و الرّفق فيما ولوه [٥] و حسن السيرة فيما تقلّدوه، مع عظم ما كانوا فيه من غرّة [٦] الملك و سكرة الاقتدار، و انّك أيّها الملك السعيد جدّه الطالع كوكب سعده قد ورثت أرضهم و ديارهم و أموالهم و منازلهم التي كانت عدّتهم فأقمت فيما خوّلت من الملك و ورثت من الأموال و الجنود فلم تقم في ذلك بحقّ ما يجب عليك بل طغيت و بغيت و عتوت و علوت على الرّعيّة و أسأت السيرة و عظمت منك البليّة و كان الأولى و الأشبه [٧] بك أن تسلك سبيل أسلافك و تتّبع آثار الملوك قبلك و تقفو [٨] محاسن ما أبقوه لك و تقلع [٩] عما عاره لازم لك و شينه [١٠] واقع بك، و تحسن النظر برعيّتك و تسنّ لهم سنن الخير الذي يبقى بعدك ذكره و يعقبك [١١] الجميل فخره، و يكون ذلك أبقى على السلامة، و أدوم على الاستقامة، فإن الجاهل المغترّ من استعمل في أموره البطر و الأمنيّة، و الحازم اللّبيب من ساس الملك بالمداراة و الرّفق، فانظر أيها
[١] استجاشوا: طلبوا.
[٢] الكراع: اسم يجمع الخيل.
[٣] الغبطة: حسن الحال.
[٤] خولوه: من خوله اللّه الشيء تخويلا ملكه اياه.
[٥] الرفق: ضد العنف، و ولوه: أي تولوا عليه.
[٦] اسم من الاغترار.
[٧] من أشبه الولد أباه: اذا شاركه في صفة من صفاته.
[٨] تقفو: تتبع.
[٩] تقلع: تكف.
[١٠] الشين: ضد الزين.
[١١] يعقبك: يورثك.