كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٢٨ - باب مقدمة الكتاب
الملوك: الغضب فإنه أجدر الأشياء بصاحبه مقتا [١] ، و البخل فإنّ صاحبه ليس بمعذور مع ذات يده [٢] و الكذب فإنه ليس لأحد أن يجاوره، و العنف [٣] في المحاورة، فإنّ السّفه ليس من شأنها و قد أتى إليّ رجل نصح لي و لم يكن مبلّغا [٤] فعاملته بضدّ ما يستحقّ و كافأته بخلاف ما يستوجب، و ما كان هذا جزاءه مني بل كان الواجب أن أسمع كلامه و أنقاد لما يشير به...
ثم أنفذ في ساعته من يأتيه به.
فلمّا مثل [٥] بين يديه قال له: يا بيدبا أ لست الذي قصدت إلى تقصير همتي و عجّزت رأيي في سيرتي بما تكلمت به آنفا [٦] ؟قال بيدبا: أيها الملك الناصح الشفيق الصادق الرفيق [٧] إنما نبّأتك [٨] بما فيه صلاح لك و لرعيّتك و دوام ملكك لك، قال له الملك: يا بيدبا أعد عليّ كلامك كله و لا تدع منه حرفا إلاّ جئت به، فجعل بيدبا ينثر كلامه و الملك مصغ إليه و جعل دبشليم كلّما سمع شيئا ينكت الأرض [٩] بشيء كان في يده، ثم رفع طرفه [١٠] إلى بيدبا و أمر بالجلوس و قال له: يا بيدبا اني قد استعذبت كلامك و حسن موقعه في قلبي و أنا ناظر في الذي أشرت به و عامل بما أمرت، ثم أمر بقيوده فحلّت و ألقى عليه من لباسه و تلقّاه بالقبول، فقال بيدبا: أيّها
[١] مقتا: بغضا.
[٢] أي ميسرته.
[٣] العنف: القسوة و الخشونة.
[٤] من البلاغات و هي الوشايات.
[٥] مثل من باب قعد، انتصب قائما.
[٦] آنفا: سابقا.
[٧] من الرفق.
[٨] نبأتك: أخبرتك.
[٩] النكت: أن تضرب الأرض بقضيب فتؤثر فيها و هو مما يفعله المتفكر.
[١٠] طرفه: أي نظره.