كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٣٧ - باب بعثة برزويه الى بلاد الهند في تحصيل هذا الكتاب
الماجد الرّشيد السعيد، الذي لم يعدله أحد ممّن مضى قبله من ملوك الفرس، الناقد البصير الكامل الأدب المعينة له نفسه على التماس فروع الحكم، المستعين بنور العقل و جودة [١] الفكر، الذي اختصّه اللّه تعالى بهذه الخصال المحمودة، و زيّنه بزينة الكرامة و توّجه بهذه النعمة السابغة [٢] ، حتى أذعنت له الرّعيّة، و خضعت لسلطانه البريّة، وصفت له الدّنيا و دانت [٣] له البلاد و انقادت له الملوك و ركنت إلى طاعته و خدمته و مناصحته، و ذلك منحة [٤] من الخالق جلّ و علا قسمها له في دولته، و جمّله بها في أقطار مملكته.
فبينما هو ذات يوم في عنفوان دولته و شموخها [٥] و عزّة مملكته و قعسها [٦] إذ أخبره بعض جلسائه أنّ عند بعض ملوك الهند في خزائنه كتابا من تأليف الحكماء و تصانيف العلماء و استنباط الفضلاء، و قد فصّلت له غرائب من عجائبه الموضوعة على أفواه البهائم و الطير و الوحش و الهوامّ [٧] و خشاش [٨] الأرض مما تحتاج إليه فضلاء الملوك لسياسة رعيّتها و نظام أمور ممالكها و تدبيرها، فدعته الحاجة إلى اقتنائه و نسخه.
فلمّا تمّ عزمه و انتظم سأل وزراءه أن يتقدّموا و يجتهدوا في تطلّب رجل كامل عالم أديب، قد جمع الفضائل بحذافيرها [٩] و نسب إلى الكمال من أهل الصّنفين المذكورين، إمّا كاتبا نحريرا [١٠] أو طبيبا فيلسوفا ماهرا قد أدّبته التجارب عارفا بلسان الفارسيّة خبيرا باللغة الهنديّة يكتب بهما جميعا حريصا على العلم مجتهدا
[١] جودة (بفتح الجيم و ضمها) مصدر جاد الشيء إذا صار جيدا.
[٢] السابغة: المتسعة الشاملة.
[٣] دانت: خضعت.
[٤] المنحة: العطية.
[٥] عنفوان الشيء: أوله. الشموخ: الارتفاع.
[٦] القعس: المنعة و العزة.
[٧] الهوام: الحشرات.
[٨] خشاش الأرض: الواحدة خشاشة و هي الحشرة.
[٩] بحذافيرها: بأسرها.
[١٠] النحرير: العالم المتقن.