كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٢٧ - باب الفحص عن أمر دمنة
الأدوية المركّبة و المفردة. فأمر الملك أن يدخل خزانة الأدوية فيأخذ من أخلاط الدّواء حاجته. فلمّا دخل الجاهل الخزانة و عرضت عليه الأدوية و لا يدري ما هي و لا له بها معرفة أخذ في جملة ما أخذ منها صرّة فيها سمّ قاتل لوقته و خلطه في الأدوية و لا علم له به و لا معرفة عنده بجنسه. فلمّا تمّت أخلاط الأدوية سقى الجارية منه فماتت لوقتها. فلمّا عرف الملك ذلك دعا بالجاهل فسقاه من ذلك الدّواء فمات من ساعته.
و إنّما ضربت لكم هذا المثل لتعلموا ما يدخل على القائل و العامل من الزّلّة بالشّبهة في الخروج عن الحدّ. فمن خرج منكم عن حدّه أصابه ما أصاب ذلك الجاهل و نفسه الملومة و قد قالت العلماء ربّما جزي المتكلّم بقوله، و الكلام بين أيديكم فانظروا لأنفسكم. فتكلّم سيّد الخنازير لإدلاله و تيهه [١] بمنزلته عند الأسد.
فقال: يا أهل الشّرف من العلماء اسمعوا مقالتي وعوا بأحلامكم [٢] كلامي، فالعلماء قالوا في شأن الصّالحين إنهم يعرفون بسيماهم [٣] ، و أنتم معاشر ذوي الاقتدار بحسن صنع اللّه لكم و تمام نعمته عليكم تعرفون الصّالحين بسيماهم و صورهم و تخبرون [٤] الشّيء الكبير بالشّيء الصّغير، و هاهنا أشياء كثيرة تدلّ على هذا الشّقيّ دمنة و تخبر عن شرّه فاطلبوها على ظاهر جسمه لتستيقنوا و تسكنوا [٥] إلى ذلك. قال القاضي لسيّد الخنازير: قد علمت و علم الجماعة الحاضرون أنّك عارف بما في الصّور من علامات السّوء ففسّر لنا ما تقول و أطلعنا على ما ترى في صورة هذا الشّقيّ. فأخذ سيد الخنازير يذمّ دمنة و قال: إنّ العلماء قد كتبوا و أخبروا أنّه من
[١] التيه: الكبر.
[٢] عوا بأحلامكم: احفظوا بعقولكم.
[٣] السيماء: العلامة.
[٤] تخبرون: تحققون.
[٥] تسكنوا: تطمئنوا.