كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٢٦ - باب الفحص عن أمر دمنة
سيّدكم و لا تكتموا ما عرفتم من أمره، و احذروا في السّتر عليه ثلاث خصال: أما إحداهنّ و هي أفضلهنّ فلا تزدروا فعله و لا تعدّوه يسيرا فمن أعظم الخطايا قتل البريء الذي لا ذنب له بالكذب و النميمة، و من علم من أمر هذا الكذّاب الذي اتّهم البريء بكذبه و نميمته شيئا فستر عليه فهو شريكه في الإثم و العقوبة، و الثانية: إذا اعترف المذنب بذنبه كان أسلم له، و الأحرى بالملك و جنده أن يعفوا عنه و يصفحوا، و الثالثة: ترك مراعاة أهل الذّمّ و الفجور، و قطع أسباب صلاتهم و مودّتهم عن الخاصّة و العامّة، فمن علم من هذا المحتال شيئا فليتكلّم به على رءوس الأشهاد ممن حضر ليكون ذلك حجّة عليه، و قد قيل إنه من كتم شهادة ميّت ألجم بلجام من نار يوم القيامة، فليقل كلّ واحد منكم ما علم. فلمّا سمع ذلك الجمع كلامه أمسكوا عن القول، فقال دمنة: ما يسكتكم تكلّموا بما علمتم و اعلموا أنّ لكلّ كلمة جوابا، و قد قالت العلماء: من يشهد بما لم ير و يقول ما لا يعلم أصابه ما أصاب الطّبيب الذي قال لما لا يعلمه إني أعلمه. قالت الجماعة: و كيف كان ذلك؟
قال دمنة: زعموا أنّه كان في بعض المدن طبيب له رفق [١] و علم، و كان ذا فطنة فيما يجري على يده من المعالجات فكبر ذلك الطّبيب و ضعف بصره، و كان لملك المدينة ابنة قد زوّجها لابن أخ له فعرض لها ما يعرض للحوامل من الأوجاع فجيء بهذا الطّبيب، فلمّا حضر سأل الجارية عن وجعها و ما تجد فأخبرته فعرف داءها و دواءها و قال: لو كنت أبصر لجمعت الأخلاط [٢] على معرفتي بأجناسها و لا أثق في ذلك بأحد غيري. و كان في المدينة رجل جاهل فبلغه الخبر فأتاهم و ادّعى علم الطّبّ و أعلمهم أنّه خبير بمعرفة أخلاط الأدوية و العقاقير [٣] و عارف بطبائع
[١] رفق: من رفق العمل إذا أحكمه.
[٢] الأخلاط: الأشياء المختلفة من أنواع شتى.
[٣] العقاقير: أصول الأدوية.
غ