كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٥٣ - باب غرض الكتاب لعبد اللّه بن المقفّع معرّب هذا الكتاب
إلى غيرها من وجوه الأدب، و ينبغي لمن قرأ هذا الكتاب أن يعرف الوجوه التي وضعت له و إلى أيّ غاية جرى مؤلّفه فيه عند ما نسبه إلى البهائم و أضافه إلى غير مفصح و غير ذلك من الأوضاع التي جعلها أمثالا، فإنّ قارئه متى لم يفعل ذلك لم يدر ما أريد بتلك المعاني و لا أيّ ثمرة يجتني منها و لا أيّ نتيجة تحصل له من مقدّمات ما تضمّنه هذا الكتاب، و إنه و إن كان غايته استتمام قراءته إلى آخره دون معرفة ما يقرأ منه لم يعد عليه شيء يرجع إليه نفعه.
و من استكثر من جمع العلوم و قراءة الكتب من غير إعمال الرّويّة [١] فيما يقرأه كان خليقا أن يصيبه ما أصاب الرّجل الذي زعمت العلماء أنّه اجتاز بعض المفاوز [٢] فظهر له موضع آثار الكنوز، فجعل يحفر و يطلب فوقع على شيء من عين و ورق [٣] فقال في نفسه: إن أنا أخذت في نقل هذا المال قليلا طال عليّ و قطعني [٤] الاشتغال بنقله و إحرازه عن اللذّة بما أصبت منه، و لكن سأستأجر أقواما يحملونه إلى منزلي و أكون أنا آخرهم و لا يكون بقي ورائي شيء يشغل فكري بفعله و أكون قد استظهرت [٥] لنفسي في إراحة بدني عن الكدّ بيسير أجرة أعطيها لهم ثمّ جاء بالحمّالين، فجعل يحمّل كلّ واحد منهم ما يطيق فينطلق به إلى منزله فيفوز به حتى إذا لم يبق من الكنز شيء انطلق خلفهم إلى منزله فلم يجد فيه من المال شيئا لا قليلا و لا كثيرا، و إذا كلّ واحد من الحمّالين قد فاز بما حمله لنفسه و لم يكن له من ذلك إلاّ العناء و التّعب لأنه لم يفكّر في آخر أمره.
و كذلك من قرأ هذا الكتاب و لم يفهم ما فيه و لم يعلم غرضه ظاهرا و باطنا لم ينتفع بما بدا له من خطّه و نفشه كما لو أنّ رجلا قدّم له جوز صحيح لم ينتفع به إلاّ أن يكسره،
[١] الروية: الفكر و التدبر.
[٢] المفاوز: جمع مفازة و هي الفلاة التي لا ماء فيها.
[٣] العين: الدينار من الذهب، و الورق: بكسر الراء الدراهم المضروبة من الفضة.
[٤] قطعني: منعني.
[٥] استظهرت: استعنت.