كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٩٧ - باب الأسد و الثور
ذاك؟قال دمنة: حدّثني الأمين الصّدوق [١] عندي أنّ شتربة خلا برءوس جندك و قال إني قد خبرت الأسد و بلوت [٢] رأيه و مكيدته و قوّته فاستبان لي أنّ ذلك يؤول منه إلى ضعف و عجز و سيكون لي و له شأن من الشئون.
فلمّا بلغني ذلك علمت أنّ شتربة خوّان غدّار و أنك أكرمته الكرامة كلّها و جعلته نظير نفسك و هو يظنّ أنه مثلك، و أنّك متى زلت عن مكانك صار له ملكك و لا يدع جهدا [٣] إلاّ بلغه فيك، و قد كان يقال إذا عرف الملك من الرّجل أنه قد ساواه في المنزلة و الحال فليصرعه فإن لم يفعل به ذلك كان هو المصروع، و شتربة أعلم بالأمور و أبلغ فيها، و العاقل هو الذي يحتال للأمر قبل تمامه و وقوعه، فإنّك لا تأمن أن يكون و لا تستدركه [٤] ، فإنّه يقال الرّجال ثلاثة: حازم و أحزم منه و عاجز، فأحد الحازمين من إذا نزل به الأمر لم يدهش له و لم يذهب قلبه شعاعا [٥] و لم تعي به حيلته و مكيدته التي يرجو بها المخرج منه، و أجزم من هذا المتقدّم ذو العدّة الذي يعرف الابتلاء قبل وقوعه فيعظمه إعظاما و يحتال له حيلة حتى كأنّه قد لزمه فيحسم الداء قبل أن يبتلى به و يدفع الأمر قبل وقوعه، و أمّا العاجز فهو في تردّد و تمنّ و توان حتى يهلك، و من أمثال ذلك مثل السّمكات الثلاث. قال الأسد: و كيف كان ذلك؟
قال دمنة: زعموا أنّ غديرا كان فيه ثلاث سمكات كيّسة [٦] و أكيس منها و عاجزة، و كان ذلك الغدير بنجوة [٧] من الأرض لا يكاد يقربه أحد و بقربه نهر
[١] الصدوق: الصادق.
[٢] خبرت و بلوت: بمعنى امتحنت.
[٣] الجهد (بفتح الجيم و ضمها) : الطاقة.
[٤] تستدركه: تتلافاه.
[٥] شعاعا (بالفتح) متفرقا و هو كناية عن شدة الخوف.
[٦] كيسة: أي ظريفة فطنة.
[٧] النجوة: ما ارتفع من الأرض.