كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٠٧ - باب الأسد و الثور
قال شتربة: زعموا أنّ أسدا كان في أجمة مجاورة لطريق من طرق الناس و كان له أصحاب ثلاثة ذئب و غراب و ابن آوى، و أنّ رعاة مرّوا بذلك الطريق و معهم جمال، فتخلّف منها جمل فدخل تلك الأجمة حتّى انتهى إلى الأسد فقال له الأسد: من أين أقبلت؟قال: من موضع كذا، قال: فما حاجتك؟قال: ما يأمرني به الملك، قال: تقيم عندنا في السّعة و الأمن و الخصب. فأقام الأسد و الجمل معه زمانا طويلا، ثمّ إنّ الأسد مضى في بعض الأيّام لطلب الصّيد، فلقي فيلا عظيما فقاتله قتالا شديدا و أفلت منه مثقلا مثخنا بالجراح يسيل منه الدّم و قد خدشه الفيل بأنيابه، فلمّا وصل إلى مكانه وقع لا يستطيع حراكا و لا يقدر على طلب الصّيد، فلبث الذّئب و الغراب و ابن آوى أيّاما لا يجدون طعاما لأنهم كانوا يأكلون من فضلات الأسد و طعامه؛ فأصابهم جوع شديد و هزال و عرف الأسد ذلك منهم فقال:
لقد جهدتم و احتجتم إلى ما تأكلون. فقالوا: لا تهمّنا أنفسنا، لكنّا نرى الملك على ما نراه فليتنا نجد ما يأكله و يصلحه. قال الأسد: ما أشكّ في نصيحتكم و لكن انتشروا لعلّكم تصيبون صيدا فأكسبكم و نفسي منه. فخرج الذّئب و الغراب و ابن آوى من عند الأسد فتنحّوا حية و ائتمروا [١] فيما بينهم فقالوا: ما لنا و لهذا الآكل العشب [٢] الذي ليس شأنه من شأننا و لا رأيه من رأينا، ألا نزيّن للأسد فيأكله و يطعمنا من لحمه. قال ابن آوى: هذا ممّا لا نستطيع ذكره للأسد لأنّه قد أمّن الجمل و جعل له من ذمّته [٣] عهدا، قال الغراب: أنا أكفيكم أمر الأسد. ثمّ انطلق فدخل عليه فقال له الأسد: هل أصبت شيئا؟قال الغراب: إنّما يصيب من يسعى و يبصر، و نحن لا سعي لنا و لا بصر لما بنا من الجوع، و لكن قد وفّقنا لرأي و اجتمعنا عليه إن وافقنا الملك فنحن له مجيبون.
[١] ائتمروا: تشاوروا.
[٢] يريدون به الجمل.
[٣] ذمته: أي عهده.