كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٧٢ - ترجمة بزرجمهر بن البختكان
و أوجعه و هو يدفع إلى عذاب الأبد و أهواله، و كيف لا يستحلي الرّجل مرارة قليلة تعقبها حلاوة طويلة و كيف لا تمرّ عليه حلاوة قليلة تعقبها مرارة دائمة، و قلت لو أن رجلا عرض عليه أن يعيش مائة سنة لا يأتي عليه يوم واحد إلاّ بضع منه بضعة [١] غير أنه يشرط له أنه إذا استوفى السنين المائة نجا من كلّ ألم و أذى و صار إلى الأمن و السّرور كان حقيقا أن لا يرى تلك السّنين شيئا فكيف يأبى الصبر على أيّام قلائل يعيشها في النّسك و أذى تلك الأيّام قليل يعقب خيرا كثيرا، أ و ليس أنّ الدّنيا كلّها بلاء و عذاب و الإنسان إنّما يتقلّب في عذابها من حين يكون جنينا إلى أن يستوفي أيّام حياته.
فإنّنا نجد في كتب الطّبّ أنّ الماء يقدّر منه الولد السّوي إذا وقع في رحم المرأة يختلط بدمها و مائها فيثخن و يغلظ ثمّ تمخض الريح ذلك الماء و الدّم حتى تتركه كالجبن ثم كالرّائب الثّخين الغليظ ثمّ تقسم فيه أعضاء الولد لإبّان أيّامه فإن كانت أنثى فوجهها قبل وجه أمّها، و إن كان ذكرا فوجهه قبل ظهر أمّه و يداه على وجنتيه و ذقنه على ركبتيه و هو منقبض في المشيمة كأنّها صرّة مصرورة يتنفّس من متنفس ضيّق شاقّ عليه و ليس من عضو إلاّ و هو مقمّط بقماط و فوقه حرّ البطن و ثقله و تحته ما تحته من الظلمة و الضّيق، و هو منوط بمعا [٢] من سرّته إلى سرّة أمّه و من ذلك المعا يمصّ و يقتبس الطّعام، فهو بهذه المنزلة في الظّلمة و الضّيق إلى يوم ولادته، و إذا كان إبان المخاض و الولادة سلطت ريح على رحم المرأة، فتهب للجنين قوّة يقدر بها على الحركة فيضرب برأسه قبل المخرج من ضيقه و جرجه، فإذا وقع إلى الأرض فأصابته ريح أو لمسته يد وجد لذلك من الألم ما يجده الإنسان إذا سلخ جلده.
[١] البضعة: بالفتح و تكسر القطع من اللحم.
[٢] المعا: واحدة الأمعاء (تنبيه) هذه العبارة مبنية على ما كان معروفا عندهم في فن الولادة.