كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٧٣ - ترجمة بزرجمهر بن البختكان
ثمّ هو في أنواع العذاب إن جاع فليس به استطعام، أو عطش فليس به استسقاء [١] أو وجع فليس به استغاثة مع ما يلقى من الوضع و الحمل و اللّفّ و الدّهن و المسح إن أنيم على ظهره لم يستطع تقلّبا، ثمّ يلقى أصناف العذاب ما دام رضيعا فإذا أفلت من عذاب الرّضاع أخذ في عذاب الأدب فأذيق منه ألوانا من عنف المعلّم و ضجر الدّرس و سآمة [٢] الكتابة، ثمّ له من الدّواء و الحمية و الأسقام و الأوجاع أوفى نصيب، فإذا أدرك كانت همّته في جمع المال و تربية الولد و مخاطرة الطّلب و السّعي و الكدّ و التعب، و هو مع ذلك يتقلّب مع أعدائه الباطنية اللازمة له و هي الصفراء و السّوداء و الريح و البلغم و الدم و السّمّ المميت و الحيّة اللاّدغة مع الخوف من السّباع و الهوامّ مع تقلّب الفصول من الحرّ و البرد و الأمطار و الرّياح، ثمّ أنواع عذاب الهرم لمن يبلغه.
فلو لم يخف من هذه الأمور شيئا و كان قد أمن و وثق بالسلامة منها فلم يفكّر فيها لوجب عليه أن يكون مفكّرا بالساعة التي يحضره فيها الموت فيفارق الدّنيا فيذكر ما هو نازل به في تلك الساعة من فراق الأحبّة و الأقارب و المال و كلّ مضنون [٣] به من الدّنيا مع الإشراف على الهول العظيم بعد الموت، فلو لم يفعل ذلك لكان حقيقا أن يعدّ عاجزا مفرّطا محبّا للدّناءة مستحقّا للّوم، فمن ذا الذي يعلم و لا يحتال لغد جهد حيلته و يرفض ما يشغله و يلهيه من شهوات الدّنيا و غرورها، و لا سيّما في هذا الزّمان الشّبيه بالصّافي و هو كدر فإنه و إن كان الملك حازما عظيم المقدرة رفيع الهمّة بليغ الفحص عدلا [٤] مرجوّا صدوقا شكورا رحب الذّراع [٥] مواظبا على الحسنى عالما بالنّاس مهتمّا بأمور رعيّته ناظرا في أحوالهم محبّا للعلم و الخير و الأخيار،
[١] الاستسقاء: طلب السقي.
[٢] السآمة: الضجر و الملل.
[٣] مضنون: بمعنى العزيز الذي يبخل به.
[٤] عدلا: عادلا.
[٥] الذراع: اليد يذكر و يؤنث.
غ