كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٧٤ - ترجمة بزرجمهر بن البختكان
شديدا على الظّلمة غير جبان و لا خفيف القياد رفيقا بالتوسّع على الرّعيّة فيما يحبّون و الدّفع لما يكرهون، فإنّا قد نرى الزّمان مدبرا بكلّ مكان حتى كأنّ أمور الصّدق قد نزعت من الناس، فأصبح ما كان عزيزا فقده مفقودا، و ما كان ضائرا [١] وجوده موجودا، و كأنّ الخير أصبح ذابلا و الشّرّ ناضرا، و كأنّ الفهم أصبح قد زالت سبله، و كأنّ الحقّ ولّى كسيرا و أقبل الباطل تابعه، و كأنّ اتّباع الهوى و إضاعة الحكم أصبح بالحكّام موكّلا، و أصبح المظلوم بالحيف [٢] مقرّا و الظّالم لنفسه مستطيلا، و كأنّ الحرص أصبح فاغرا فاه من كلّ جهة يتلقّف [٣] ما قرب منه و ما بعد، و كأنّ الرّضى أصبح مجهولا، و كأنّ الأشرار يقصدون السّماء صعودا، و كأنّ الأخيار يريدون بطن الأرض، و أصبحت المروءة مقذوفا بها من أعلى شرف إلى أسفل درك [٤] و أصبحت الدّناءة مكرّمة ممكّنة و أصبح السّلطان منتقلا عن أهل الفضل، إلى أهل النّقص، و كأنّ الدّنيا جذلة [٥] مسرورة تقول قد غيّبت الخيرات و أظهرت السيئات.
فلمّا فكّرت في الدّنيا و أمورها و أنّ الإنسان هو أشرف الخلق فيها و أفضله، ثمّ هو لا يتقلّب إلاّ في الشّرر و الهموم عرفت أنه ليس إنسان ذو عقل إلاّ و قد أغفل هذا و لم يعمل لنفسه و يحتل لنجاتها فتعجّب من ذلك كلّ العجب، ثمّ نظرت فإذا الإنسان لا يمنعه عن الاحتيال لنفسه إلاّ لذّة صغيرة حقيرة من النّظر و السّمع و الشّمّ و الذّوق و اللّمس لعلّه أن يصيب منها الطّفيف أو يقتني منها اليسير، فإذا ذلك يشغله و يذهب به عن الاهتمام لنفسه و طلب النّجاة لها.
فالتمست للإنسان مثلا فإذا مثله مثل رجل نجا من خوف فيل هائج إلى بئر فتدلّى فيها و تعلّق بغصنين كانا على سمائها فوقعت رجلاه على شيء في طيّ البئر،
[١] ضائرا: مضرا.
[٢] الحيف: الجور.
[٣] يتلقف: أي يتناوله بسرعة.
[٤] الدرك: أقصى قعر الشيء.
[٥] جذلة: فرحة.