كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٢٤ - باب الفحص عن أمر دمنة
منه، و أنّ دمنة مقرّ بسوء عمله و عظيم ذنبه فحفظ المحاورة بينهما و كتمها ليشهد بها إن سئل عنها، ثمّ إنّ كليلة انصرف إلى منزله و دخلت أمّ الأسد حين أصبحت على الأسد فقالت له: يا سيّد الوحوش حوشيت [١] أن تنسى ما قلت بالأمس، و إنّك أمرت به لوقته و أرضيت به ربّ العباد، و قد قالت العلماء لا ينبغي للإنسان أن يتولّى في الجدّ للتّقوى، بل لا ينبغي أن يدافع عن ذنب الأثيم، فلمّا سمع الأسد كلام أمّه أمر أن يحضر النّمر و هو صاحب القضاء، فلمّا حضر قال له و للجوّاس [٢] العادل:
اجلسا في موضع الحكم و ناديا في الجند صغيرهم و كبيرهم أن يحضروا و ينظروا في حال دمنة و يبحثوا عن شأنه و يفحصوا عن ذنبه و يثبتوا قوله و عذره في كتب القضاء و ارفعا إليّ ذلك يوما فيوما، فلمّا سمع النمر ذلك و الجوّاس العادل، و كان هذا الجوّاس عمّ الأسد قالا: سمعا و طاعة لما أمر الملك و خرجا من عنده فعملا بمقتضى ما أمرهما به حتى إذا مضى من اليوم الذي جلسوا فيه ثلاث ساعات أمر القاضي أن يؤتى بدمنة فأتي به فأوقف بين يديه و الجماعة حضور.
فلمّا استقرّ به المكان نادى سيّد الجمع بأعلى صوته: أيّها الجمع إنّكم علمتم أنّ سيّد السّباع لم يزل منذ قتل شتربة خاثر [٣] النّفس كثير الهمّ و الحزن يرى أنه قد قتل شتربة بغير ذنب و أنه أخذه بكذب دمنة و نميمة، و هذا القاضي قد أمر أن يجلس مجلس القضاء و يبحث عن شأن دمنة، فمن علم منكم شيئا في أمر دمنة من خير أو شرّ فليقل ذلك و ليتكلّم به على رءوس الجمع و الأشهاد ليكون القضاء في أمره بحسب ذلك، فإذا استوجب القتل فالتثبّت في أمره أولى، و العجلة من الهوى [٤] ، و متابعة الأصحاب على الباطل ذلّ، فعندها قال القاضي: أيّها الجمع اسمعوا قول
[١] حوشيت: نزهت.
[٢] الجواس: من أسماء الأسد و هو من جاس إذا تردد خلال الدور.
[٣] خاثر النفس: منقبضها.
[٤] الهوى: ميل النفس المذموم فيقال أتبع هواه و هو من أهل الإهواء.