كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٢١ - باب الفحص عن أمر دمنة
قال دمنة: زعموا أنه كان في بعض المدن تاجر و كانت له امرأة ذات حسن و جمال، و كان إلى جنب التّاجر رجل مصوّر ماهر، و كان هو لإمرأة التّاجر خليلا فقالت له يوما: إن استطعت أن تحتال بحيلة أعلم بها مجيئك من غير نداء و لا إيماء [١] و لا ما يرتاب به من فعلك و فعلي. قال المصوّر: عندي من الحيلة ما سألت ممّا يسرّك و يقرّ عينك، إنّ عندي ملاءة فيها من تهاويل الصّور و تماثيل الصّنعة فإني ألبسها حين مجيئي اليك و أ تراءى [٢] لك فيها. ثمّ إنّ المصوّر لبس الملاءة و تراءى للمرأة فعلمت بمكانه فخرجت إليه و فرحت به و تهيّأت له فبصر بها في تلك الحالة عبد للمرأة فعجب من ذلك و تحيّر، و كان هذا العبد لأمة المصوّر خليلا فطلب الملاءة منها و سألها ذلك و قال: أريد أن أريها لصديق لي لأسرّه بذلك و أسرع الكرّة بردّها قبل أن يعلم به مولاك، فأعطته أمة المصوّر الملاءة فلبسها العبد و أتى سيّدته على نحو ما كان يأتيها المصوّر، فلمّا رأته لم تشكّ في مجيئه و لم ترتب به أنه خليلها، فأتت إليه و بذلت له نفسها.
ثمّ رجع بالملاءة إلى أمة المصوّر فدفعها إليها فوضعتها موضعها، و كان المصوّر عن بيته غائبا، فلما جنّ [٣] الليل عاد إلى منزله فلبس الملاءة على عادته و تراءى للمرأة فلمّا شاهدت ذلك وثبت اليه و قالت: لقد أسرعت الكرّة أ لم تكن عندي فلما ذا العود؟فلمّا سمع المصوّر كلامها رجع إلى منزله فدعا جاريته فأوعدها بالقتل أو تخبره بالحقيقة فأخبرته بالقصّة فأخذ الملاءة فأحرقها.
و إنّما ضربت لك هذا المثل إرادة أن لا يعجّل الملك في أمري بشبهة و لست أقول هذا كراهة للموت فانه و إن كان كريها فلا منجى منه و كلّ حيّ هالك، و لو كان
[١] إيماء: مصدر أومأ أي أشار.
[٢] أ تراءى لك: أي أتصدى لرؤيتك.
[٣] جن الليل: اشتد ظلامه.