كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٤٣ - باب بعثة برزويه الى بلاد الهند في تحصيل هذا الكتاب
لمشورته [١] لما ظهر له من فضله و أدبه و حكمته و فهمه و كتمانه لسرّ نفسه، و لمّا استبان له من صحّة إخائه، و كان يشاوره في الأمور و يرتاح إليه [٢] في جميع ما أهمّه، إلاّ أنه كان يكتم عنه الأمر الذي قدم من أجله حتى يبلوه [٣] و يختبره و ينظر هل هو أهل أن يطلعه على سرّه و لم يزل يبحث عنه و يجتهد في أمره حتى وثق به وثوق الأكفاء [٤] بالأكفاء، و علم أنه محلّ لكشف الأسرار الجليلة الخطيرة [٥] و أنه مأمون على ما يستودع من ذلك غير خائن صديق صدق [٦] ثم زاد له إلطافا [٧] و به احتفاء و عليه حنوّا إلى أن حضر اليوم الذي رجا فيه بلوغ أمنيته و الظّفر بحاجته مع طول الغيبة و عظم النفقة في استلطاف الإخوان و مجالستهم على الطّعام و الشّراب.
و أنه لمّا وثق بصديقه الهنديّ الذي تقدّم ذكره و أنس به و سبر [٨] عقله و اطمأنّ إليه في سرّه، قال له يوما و هما خاليان [٩] : يا أخي ما أريد أن أكتمك من أمري فوق الذي كتمتك لأنّك أهل لذلك، فاعلم أني لأمر قدمت بلادكم و هو غير الذي يظهر مني، و العاقل يكتفي من الرّجل بالعلامات من نظره و إشارته فيعلم بذلك سرّ نفسه و ما يضمره قلبه، فقال له صديقه الهنديّ: إني و إن لم أكن بدأتك و أخبرتك بما له جئت و إيّاه تريد و إليه قصدت و أنك تكتم ما تطلبه و تظهر غيره فما خفي عليّ ذلك منك و لا ذهب عني ما كتمته، و لكنّي لرغبتي فيك و في إخائك كرهت أن أواجهك بذلك و أفاجئك به لأنّي قد ظهر لي ما تكتم و بان لي ما أنت له مخف، فأمّا إذ قد أظهرت ذلك و أفصحت به من نفسك فإنّي مخبرك عن نفسك و مظهر لك سريرة أمرك و معلمك عن سرّ حاجتك التي قدمت بسببها و أطلت مقامك في طلبها.
[١] المشورة: بوزن معونة و تجيء بوزن مزرعة
[٢] يرتاح إليه: أي تنبسط إليه نفسه.
[٣] يبلوه: يجربه.
[٤] الأكفاء: جمع كفؤ و هو المثيل و النظير.
[٥] الخطيرة: الرفيعة المنزلة و القدر.
[٦] صدق: صادق في الود.
[٧] إلطافا: برا و احسانا. احتفاء: مبالغة في الإكرام.
[٨] سبر: اختبر.
[٩] و في نسخة جالسان.