كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٧١ - باب البوم و الغربان
و كذلك كان صبري على ما صبرت عليه التماسا لهذا النّفع العظيم الذي اجتمع لنا فيه الأمن و الظّفر و هلاك العدوّ و الرّاحة منه، و وجدت صرعة [١] اللّين و الرّفق أسرع و أشدّ استئصالا للعدوّ من صرعة المكابرة، فإنّ النّار لا تزيد بحدّتها و حرّها إذا أصابت الشجرة على أن تحرق ما فوق الأرض منها، و الماء بلينه و برده يستأصل ما تحت الأرض منها، و يقال أربعة أشياء لا يستقلّ قليلها: النّار، و المرض، و العدوّ، و الدّين. قال الغراب: و كلّ ذلك كان من رأي الملك و أدبه و سعادة جدّه.
و إنّه كان يقال: إذا طلب اثنان أمرا ظفر به منهما أفضلهما مروءة، فإن اعتدلا في المروءة فأشدّهما عزما، فإن استويا في العزم فأسعدهما جدّا.
و كان يقال: من حارب الملك الحازم الأريب المتضرّع [٢] الذي لا تبطره السّرّاء و لا تدهشه الضّرّاء كان هو داعي الحتف [٣] إلى نفسه، و لا سيّما إذا كان ذلك أيّها الملك العالم بفروض الأعمال و مواضع الشّدّة و اللّين و الغضب و الرّضى و المعاجلة و الأناة [٤] النّاظر في أمر يومه و غده و عواقب أعماله. قال الملك للغراب:
بل برأيك و عقلك و نصيحتك و يمن طالعك كان ذلك فإنّ رأي الرّجل الواحد العاقل الحازم أبلغ في هلاك العدوّ من الجنود الكثيرة من ذوي البأس و النّجدة و العدد و العدّة و إنّ من عجيب أمرك عندي طول لبثك بين ظهراني [٥] البوم تسمع الكلام الغليظ ثمّ لم تسقط بينهنّ بكلمة. قال الغراب: لم أزل متمسّكا بأدبك أيّها الملك أصحب البعيد و القريب بالرّفق و اللّين و المبالغة و الأناة.
قال الملك: أصبحت و قد وجدتك صاحب العمل و وجدت غيرك من الوزراء
[١] الصرعة: الحالة.
[٢] الأريب: العاقل. و التضرع: الحسن الاحتيال. و البطر: الطغيان بالنعمة و قلة احتمالها.
[٣] الحتف: الهلاك.
[٤] الأناة: التأني.
[٥] لبثك: إقامتك. و بين ظهراني البوم (بفتح النون و لا تكسر) أي وسطهم.