كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٧٢ - باب البوم و الغربان
أصحاب أقاويل ليس لها عاقبة حميدة، فقد منّ اللّه علينا بك منّة عظيمة لم نكن قبلها نجد لذّة الطّعام و الشّراب و لا النّوم و لا القرار، و كان يقال لا يجد المريض لذّة الطّعام و النّوم حتّى يبرأ، و لا الرّجل الشّره الذي أطمعه سلطانه في مال و عمل في يده حتى ينجزه له، و لا الرّجل الذي قد ألحّ عليه عدوّه و هو يخافه صباحا و مساء حتى يستريح منه قلبه، و من وضع الحمل الثّقيل عن يده أراح نفسه و من أمن عدوّه ثلج [١] صدره.
قال الغراب: أسأل اللّه الذي أهلك عدوّك أن يمتّعك بسلطانك و أن يجعل في ذلك صلاح رعيّتك، و يشركهم في قرّة العين [٢] بملكك، فإنّ الملك إذا لم يكن في ملكه قرّة عيون رعيّته فمثله مثل زنمة العنز [٣] التي يمصّها الجدي و هو يحسبها حلمة الضّرع [٤] فلا يصادف فيها خيرا.
قال الملك: أيها الوزير الصّالح كيف كانت سيرة البوم و ملكها في حروبها و في ما كانت فيه من أمورها، قال الغراب: كانت سيرته سيرة بطر و أشر و خيلاء [٥] و عجز و فخر مع ما فيه من الصّفات الذّميمة، و كلّ أصحابه و وزرائه شبيه به إلاّ الوزير الذي كان يشير عليه بقتلي فإنّه كان حكيما أريبا فيلسوفا حازما قلّما يرى مثله في علوّ الهمّة و كمال العقل و جودة الرّأي. قال الملك: و أيّ خصلة رأيت منه كانت أدلّ على عقله؟قال: خلّتان، إحداهما رأيه في قتلي و الأخرى أنّه لم يكن يكتم صاحبه [٦] نصيحته و إن استقلّها، و لم يكن كلامه كلام عنف و قسوة و لكنّه كلام رفق
[١] ثلج صدره: اطمئن.
[٢] قرة العين: بمعنى السرور.
[٣] زنمة العنز: قطعة لحم تتدلى من حلقها.
[٤] الضرع لذات الظلف كالثدي للمرأة.
[٥] الأشر: البطر. و الخيلاء: الكبرياء.
[٦] صاحبه: أي ملكه.