كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٤٢ - باب بعثة برزويه الى بلاد الهند في تحصيل هذا الكتاب
و دمنة، فلمّا تيقّن ما بلغه عن ذلك الكتاب و كشف عمّا فيه من المنافع من تقوية العقل و الأدب رآني أهلا لذلك و ندبني إلى استخراجه و اللّه الموفّق و السلام. » .
فعند ذلك ظهر للملك علمه و نجابته و شهامته [١] فسرّ بذلك سرورا شديدا، ثمّ أمر الملك عند ذلك بإحضار المنجّمين و أن يتخيّروا له يوما سعيدا و طالعا صالحا و ساعة مباركة ليتوجّه فيها فاختاروا له يوما يسير فيه و ساعة صالحة يخرج فيها، فسار برزويه بطالع سعد و حمل معه من المال عشرين جرابا كلّ جراب فيه عشرة آلاف دينار، و توجّه جادّا في طلب حاجته نهارا و ليلا حتى قدم بلاد الهند، فجعل يطوف بباب الملك و مجالس السّوقة، و يجالس الحكماء و يسأل عن خواصّ الملك و الأشراف من جلسائه و العلماء و الفلاسفة، و جعل يغشاهم [٢] في مجالسهم و يتلقّاهم بالتّحيّة و السلام، و يخبرهم أنّه رجل غريب قدم بلادهم لطلب العلم و الأدب و البحث عنه و رياضته به [٣] و أنه محتاج إلى معونتهم فيما يطلب من ذلك و يسألهم بذل الدعاء له ببلوغ آماله مع شدّة كتمانه لما قدم بسببه، و دفنه لسرّه، فلم يزل كذلك زمانا طويلا يتأدّب على علماء الهند بما هو عالم بجميعه و كأنّه لا يعلم منه شيئا، و هو فيما بين ذلك يستر بغيته [٤] و حاجته، في أثناء ذلك يبحث في مطلوبه بحنكة [٥] و سياسة و عفّة و نزاهة [٦] و اتّخذ في تلك الحالة لطول مقامه أصدقاء أصفياء [٧] كثيرين كلّهم من أهل الهند من الأشراف و العلماء و الفلاسفة و السّوقة و من أهل كلّ طبقة و صناعة.
و كان قد اتّخذ من بين أصدقائه و أصفيائه رجلا واحدا اصطفاه لسرّه و اختصّه
[١] الشهامة: اسم من الشهم و هو الذكي الفؤاد المتوقد.
[٢] يغشاهم: يأتيهم.
[٣] رياضته به: أي تهذيب أخلاقه.
[٤] بغيته: طلبته.
[٥] الحنكة (بضم الحاء) : من حنك الشيء. الرجل، إذا أحكم التجارب.
[٦] النزاهة: البعد من الشر.
[٧] أصفياء: جمع صفي و هو الحبيب المصافي المقرب.