كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٢٨ - باب الفحص عن أمر دمنة
كانت عينه اليسرى أصغر من عينه اليمنى و هي لا تزال تختلج و كان أنفه مائلا إلى جنبه الأيمن، فهو شقيّ خبيث جامع للخبّ و الفجور، فلمّا سمع دمنة ذلك قال: و ما مثلك إلاّ مثل رجل قال لإمرأته: انظري إلى عريك و بعد ذلك انظري إلى عري غيرك، قيل له: و كيف كان ذلك؟
قال دمنة: زعموا أنّ مدينة أغار عليها العدوّ فقتل و سبى و غنم و انطلق إلى بلاده، فاتّفق أنه كان مع جنديّ ممّا وقع في قسمته رجل حرّاث و معه امرأتان له، و كان هذا الجنديّ يسيء إليهم في الطعام و اللّباس، فذهب الحرّاث ذات يوم و معه امرأتان يحتطبون [١] للجنديّ و هم عراة، فأصابت [٢] إحدى المرأتين في طريقها خرقة بالية فوضعتها على سوأتها [٣] ثم قالت لزوجها مشيرة إلى ضرّتها: أ لا تنظر إلى هذه الفاعلة كيف لا تستحي و تستر عورتها. قال لها زوجها: لو بدأت بالنظر إلى نفسك و أنّ جسمك كلّه عار لما عيّرت صاحبتك بما هو بعينه فيك.
و شأنك عجب أيّها القذر ذو العلامات الفاضحة القبيحة، ثمّ العجب من جرأتك على طعام الملك و قيامك بين يديه مع ما بجسمك من القذر و القبح و مع ما تعرفه أنت و يعرفه غيرك من عيوب نفسك، أ فتتكلّم في النّقيّ الجسم الذي لا عيب فيه، و لست أنا وحدي أطّلع على عيبك لكنّ جميع من حضر قد عرف ذلك، و قد كان يحجزني عن إظهاره ما بيني و بينك من الصّداقة، فأمّا إذ قد كذبت عليّ و بهتّني [٤] في وجهي و قمت بعداوتي فقلت ما قلت فيّ بغير علم و على رءوس الحاضرين فإني أقتصر على إظهار ما أعرف من عيوبك و تعرفه الجماعة و حقّ على من عرفك حقّ معرفتك أن يمنع الملك من استعماله إيّاك على طعامه، فلو كلّفت أن
[١] يحتطبون: يجمعون حطبا.
[٢] أصابت: وجدت.
[٣] السوأة: العورة.
[٤] بهتني: من بهته بهتا إذا قال عليه ما لم يفعل.