كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٢٩ - باب الفحص عن أمر دمنة
تعمل الزّراعة لكنت جديرا بالخذلان فيها، فالأحرى بك أن لا تدنو إلى عمل من الأعمال و أن لا تكون دبّاغا و لا حجّاما لعاميّ فضلا عن خاصّ خدمة الملك. قال سيّد الخنازير: أ و لي تقول هذه المقالة و تلقاني بهذا الملقى.
قال دمنة: نعم و حقّا قلت فيك و إيّاك أعني أيّها الأعرج المكسور الذي في استه النّاسور [١] الأفدع الرّجل [٢] المنفوخ البطن، المدلّى الخصيتين، الأفلج [٣] الشّفتين السّيّئ المنظر و المخبر. فلمّا قال دمنة ذلك تغيّر وجه سيّد الخنازير و استعبر [٤] و استحى و تلجلج لسانه و استكان [٥] و فتر نشاطه. فقال دمنة حين رأى انكساره و بكاءه: إنّما ينبغي أن يطول بكاؤك إذا اطّلع الملك على قذرك و عيوبك فعزلك عن طعامه و حال بينك و بين خدمته و أبعدك عن حضرته، ثمّ إنّ شعهرا كان الأسد قد جرّبه فوجد فيه أمانة و صدقا فرتّبه في خدمته و أمره أن يحفظ ما يجري بينهم و يطلعه عليه، فقام الشّعهر فدخل على الأسد فحدّثه بالحديث كلّه على جليّته، فأمر الأسد بعزل سيّد الخنازير عن عمله و أمر أن لا يدخل عليه و لا يرى وجهه و أمر بدمنة أن يردّ إلى السّجن و قد مضى من النهار أكثره، و جميع ما جوى و قالوا و قال قد كتب و ختم عليه بخاتم النمر و رجع كلّ واحد منهم إلى منزله.
ثمّ إنّ شعهرا و يقال له روزبه كان بينه و بين كليلة إخاء و مودّة و كان عند الأسد وجيها و عليه كريما، و اتّفق أنّ كليلة أخذه الوجد إشفاقا و حذرا على نفسه و أخيه فمرض و مات، فانطلق هذا الشّعهر إلى دمنة فأخبره بموت كليلة فبكى و حزن و قال:
ما أصنع بالدّنيا بعد مفارقة الأخ الصفيّ و لكن أحمد اللّه تعالى إذ لم يمت كليلة حتى
[١] الاست: العجز.
[٢] الأفدع: اعوجاج لرسغ من اليد و الرجل.
[٣] أفلج الشفتين: مشقوقهما.
[٤] استعبر: جرت عبرته أي دمعته.
[٥] استكان: ذل.