كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٣١ - باب الفحص عن أمر دمنة
قالوا: إنّ اللّه تعالى جعل الدنيا سببا و مصداقا [١] للآخرة لأنها دار الرّسل و الأنبياء الدّالّين على الخير الهادين إلى الجنة الدّاعين إلى معرفة اللّه تعالى، و قد ثبت شأنك عندنا و أخبرنا عنك من وثقنا بقوله، إلاّ أنّ سيّدنا أمرنا بالعود إلى أمرك و الفحص عن شأنك و إن كان عندنا ظاهرا بيّنا. قال دمنة: أراك أيّها القاضي لم تتعوّد العدل في القضاء، و ليس في عدل الملوك دفع المظلومين و من لا ذنب له إلى قاض غير عادل بل المخاصمة لهم و الذّود [٢] عن حقوقهم، فكيف ترى أن أقتل و لم أخاصم و تعجّل ذلك موافقة لهواك و لم تمض بعد ثلاثة أيام، و لكن صدق الذي قال إنّ الذي تعوّد عمل البرّ هيّن عليه عمله و إن أضرّ به.
قال القاضي: إنّا نجد في كتب الأوّلين أنّ القاضي العدل ينبغي له أن يعرف عمل المحسن و المسيء ليجازي المحسن بإحسانه و المسيء بإساءته، فإذا ذهب إلى هذا ازداد المحسنون حرصا على الإحسان و المسيئون اجتنابا للذّنوب، و الرّأي لك يا دمنة أن تنظر الذي وقعت فيه و تعترف بذنبك، و تقرّ به و تتوب، فأجابه دمنة: إنّ صالحي القضاة لا يقطعون [٣] بالظنّ و لا يعملون به لا في الخاصّة و لا في العامّة لعلمهم أنّ الظّنّ لا يغني من الحقّ شيئا، و أنتم إن ظننتم أني مجرم فيما فعلت فإني أعلم بنفسي منكم و علمي بنفسي يقين لا شكّ فيه و علمكم بي غاية الشّكّ، و إنّما قبح أمري عندكم أني سعيت بغيري [٤] فما عذري عندكم إذا سعيت بنفسي كاذبا عليها فأسلمتها إلى القتل و العطب على معرفة مني ببراءتي و سلامتي ممّا قرفت به [٥] و نفسي أعظم الأنفس عليّ حرمة و أوجبها حقّا، فلو فعلت هذا بأقصاكم و أدناكم لما
[١] مصداقا للآخرة: أي ما يصدقها.
[٢] الذود: الدفاع.
[٣] لا يقطعون: بمعنى لا يوقنون.
[٤] سعيت بغيري: أي وشيت به.
[٥] قرفت: أي اتهمت.