كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٣٢ - باب الفحص عن أمر دمنة
وسعني [١] في ديني و لا حسن بي في مروءتي و لا حقّ لي أن أفعله فكيف أفعله بنفسي، فاكفف أيّها القاضي عن هذه المقالة فإنها إن كانت منك نصيحة فقد أخطأت موضعها، و إن كانت خديعة فإنّ أقبح الخداع ما نظرته و عرفته من غير أهله، مع أنّ الخداع و المكر ليسا من أعمال صالحي القضاة و لا ثقات الولاة.
و اعلم أنّ قولك ممّا يتّخذه الجهّال و الأشرار سنّة [٢] يقتدون بها لأنّ أمور القضاء يأخذ بصوابها أهل الصّواب، و بخطإها أهل الخطأ و الباطل و القليلو الورع و أنا خائف عليك أيّها القاضي من مقالتك هذه أعظم الرّزايا و البلايا، و ليس من البلاء و المصيبة أنك لم تزل في نفس الملك و الجند و الخاصة و العامّة فاضلا في رأيك مقنعا في عدلك مرضيّا في حكمك و عفافك و فضلك، و إنّما البلاء كيف أنسيت ذلك في أمري، أ و ما بلغك عن العلماء أنهم قالوا من ادّعى علم ما لا يعلم و شهد على الغيب أصابه ما أصاب البازيار [٣] القاذف زوجة مولاه. قال القاضي: و كيف كان ذلك؟
قال دمنة: زعموا أنه كان في بعض المدن رجل من المرازبة [٤] مذكور، و كانت له امرأة ذات جمال و عفاف و كان للرّجل بازيار ماهر خبير بعلاج البزاة و سياستها، و كان هذا البازيار عند هذا الرّجل بمكان خليل بحيث إنه أدخله داره و أجلسه مع حرمه فاتّفق أنّ البازيار راود زوجة مولاه عن نفسها فأبت عليه و تسخّطت لذلك و تمعّر [٥] وجهها و احمرّت خجلا و زاد امتناعها عليه و حرض عليها كلّ الحرص و عمل الحيلة في بلوغ غرضه منها و ضاقت عليه أبواب الحيل فخرج يوما إلى الصّيد على عادته فأصاب فرخي ببغاء فأخذهما و جاء بهما إلى منزله، فلمّا كبرا فرّق بينهما
[١] لما وسعني: أي لما جاز لي.
[٢] سنة: طريقة.
[٣] البازيار: مربي البازي و جمعه بزاة.
[٤] المرازبة جـ مرزبان: و هو رئيس الفرس.
[٥] تمعّر وجهها: تغير غيظا.