كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٣٠ - باب الفحص عن أمر دمنة
أبقى لي من ذوي قرابتي أخا مثلك، فإني قد وثقت بنعمة اللّه تعالى و إحسانه إليّ فيما رأيت من اهتمامك بي و مراعاتك لي و قد علمت أنك رجائي و ركني فيما أنا فيه، فأريد من إنعامك أن تنطلق إلى مكان كذا فتنظر إلى ما جمعته أنا و أخي بحيلتنا و سعينا و مشيئة اللّه تعالى فتأتيني به، ففعل الشّعهر ما أمره به دمنة، فلمّا وضع المال بين يديه أعطاه شطره و قال له إنك على الدّخول و الخروج على الأسد أقدر من غيرك فتفرّغ لشأني و اصرف اهتمامك إليّ و اسمع ما أذكر به عند الأسد إذا رفع إليه ما يجري بيني و بين الخصوم و ما يبدو من أمّ الأسد في حقّي و ما ترى من متابعة الأسد لها و مخالفته إيّاها في أمري و احفظ ذلك كلّه. فأخذ الشّعهر ما أعطاه دمنة و انصرف عنه على هذا العهد فانطلق إلى منزله فوضع المال فيه.
ثمّ إنّ الأسد بكّر من الغد فجلس حتى إذا مضى من النّهار ساعتان استأذن عليه أصحابه في الدّخول فأذن لهم فدخلوا عليه و وضعوا الكتاب بين يديه، فلمّا عرف قولهم و قول دمنة دعا بأمّه فقرأ عليها ذلك، فلمّا سمعت ما في الكتاب نادت بأعلى صوتها: إن أنا أغلظت في القول فلا تلمني فإنّك لست تعرف ضرّك من نفعك.
أ ليس هذا ممّا كنت أنهاك عن سماعه لأنه كلام هذا المجرم المسيء إلينا الغادر بذمّتنا، ثمّ إنها خرجت مغضبة و ذلك بعين الشّعهر الذي آخاه دمنة و بسمعه فخرج في إثرها [١] مسرعا حتى أتى دمنة فحدّثه بالحديث، فبينما هو عنده إذ جاء فيج [٢] فانطلق بدمنة إلى الجمع عند القاضي.
فلمّا مثل بين يدي القاضي استفتح سيّد المجلس فقال: يا دمنة قد أنبأني عن خبرك الأمين الصّادق و ليس ينبغي لنا أن نفحص عن شأنك أكثر من هذا لأنّ العلماء
[١] إثرها: وراءها.
[٢] الفيج: هو الذي يدخل السجن و يخرج و يحرس و جمعه فيوج.