كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٩٨ - باب الأسد و الثور
جار، فاتّفق أنّه اجتاز بذلك النهر صيّادان فأبصرا الغدير فتواعدا أن يرجعا إليه بشباكهما فيصيدا ما فيه من السمك، فسمعت السّمكات قولهما، فأمّا أكيسهنّ فإنها لمّا سمعت قولهما ارتابت بهما و تخوّفت منهما فلم تعرّج [١] على شيء حتى خرجت من المكان الذي يدخل فيه الماء من النهر إلى الغدير، و أمّا الكيّسة فإنّها مكثت مكانها حتى جاء الصّيّادان، فلما رأتهما و عرفت ما يريدان ذهبت لتخرج من حيث يدخل الماء فإذا بهما قد سدّا ذلك المكان فحينئذ قالت: فرّطت [٢] و هذه عاقبة التفريط فكيف الحيلة على هذه الحال و قلّما تنجع حيلة العجلة و الإرهاق [٣] ، غير أنّ العاقل لا يقنط من منافع الرّأي و لا ييأس على حال و لا يدع الرّأي و الجهد، ثمّ إنّها تماوتت [٤] فطفت على وجه الماء منقلبة على ظهرها تارة و تارة على بطنها فأخذها الصّيّادان فوضعاها على الأرض بين النهر و الغدير فوثبت إلى النهر فنجت، و أمّا العاجزة فلم تزل في إقبال و إدبار حتى صيدت.
قال الأسد: قد فهمت ذلك و لا أظنّ الثور يغشّني و لا يرجو لي الغوائل [٥] ، و كيف يفعل ذلك و لم ير منّي سوءا قط و لم أدع خيرا إلاّ فعلته معه و لا أمنيّة إلاّ بلغته إيّاها، قال دمنة: إنّ اللئيم لا يزال نافعا ناصحا حتى يرفع إلى المنزلة التي ليس لها بأهل، فإذا بلغها التمس ما فوقها و لا سيّما أهل الخيانة و الفجور [٦] ، فإن اللّئيم الفاجر لا يخدم السلطان و لا ينصح له إلاّ من فرق [٧] فإذا استغنى و ذهبت الهيبة عاد إلى جوهره، كذنب الكلب الذي يربط ليستقيم، فلا يزال مستويا ما دام مربوطا فإذا حلّ انحنى و تعوّج كما كان.
«و اعلم أيّها الملك أنه من لم يقبل من نصحائه ما يثقل عليه ممّا ينصحون له
[١] تعرج: تعطف و تميل.
[٢] فرطت: قصرت.
[٣] الإرهاق: التأخر.
[٤] تماوتت: تظاهرت أنها ميتة.
[٥] الغوائل: المهالك.
[٦] الفجور: المعاصي.
[٧] الفرق: الخوف.