كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٠١ - باب الأسد و الثور
احتال لك من قبل غيره، و يقال إن استضافك ضيف ساعة من نهار و أنت لا تعرف أخلاقه فلا تأمنه على نفسك و لا تأمن أن يصلك منه أو بسببه ما أصاب القملة من البرغوث. قال الأسد: و كيف كان ذلك؟
قال دمنة: زعموا أنّ قملة لزمت فراش رجل من الأغنياء دهرا فكانت تصيب من دمه و هو نائم لا يشعر و تدبّ دبيبا رفيقا [١] ، فمكثت كذلك حينا حتى استضافها ليلة من اللّيالي برغوث فقالت له: بت اللّيلة عندنا في دم طيّب و فراش لين، فأقام البرغوث عندها حتى إذا آوى الرّجل إلى فراشه وثب عليه البرغوث فلدغه لدغة أيقظته و أطارت النّوم عنه فقام الرجل و أمر أن يفتّش فراشه فنظر فلم ير إلاّ القملة فأخذت فقصعت [٢] و فرّ البرغوث.
و إنّما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنّ صاحب الشّرّ لا يسلم من شرّه أحد و إن هو ضعف عن ذلك جاء الشرّ بسببه، و إن كنت لا تخاف من شتربة فخف غيره من جندك الذين قد حملهم عليك و على عداوتك. فوقع في نفس الأسد كلام دمنة فقال: فما الذي ترى إذن و بما ذا تشير؟قال دمنة: إنّ الضّرس المأكول لا يزال صاحبه منه في ألم و أذى حتى يفارقه، و الطّعام الذي قد عفن في البطن الرّاحة في قذفه، و العدوّ المخيف دواؤه قتله. قال الأسد: لقد تركتني أكره مجاورة شتربة إيّاي، و أنا مرسل إليه و ذاكر له ما وقع في نفسي منه، ثمّ آمره باللّحاق حيث أحبّ.
فكره دمنة ذلك و علم أنّ الأسد متى كلّم شتربة في ذلك و سمع منه جوابا عرف باطل ما أتى هو به و اطّلع على غدره و كذبه و لم يخف عليه أمره، فقال
[١] رفيقا: لطيفا.
[٢] قصعت: من القصع و هو قتل القملة بالظفر.