كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٢٠ - باب مقدمة الكتاب
و هشم بيضها و قتل فراخها، فلما نظرت ما ساءها علمت أنّ الذي نالها من الفيل لا من غيره، فطارت فوقعت على رأسه باكية ثم قالت: أيها الملك لم هشمت بيضي و قتلت فراخي و أنا في جوارك، أفعلت هذا استصغارا منك لأمري و احتقارا لشأني؟قال: هو الذي حملني على ذلك، فتركته و انصرفت الى جماعة الطير فشكت إليها ما نالها من الفيل، فقلن لها و ما عسى أن نبلغ منه و نحن طيور، فقالت للعقاعق و الغربان أحبّ منكنّ أن تصرن معي إليه فتفقأن عينيه فإني أحتال له بعد ذلك بحيلة أخرى، فأجبنها إلى ذلك و ذهبن إلى الفيل فلم يزلن ينقرن عينيه حتى ذهبن بهما و بقي لا يهتدي إلى طريق مطعمه و مشربه إلا ما يقمّه [١] من موضعه، فلمّا علمت ذلك منه جاءت إلى غدير فيه ضفادع كثيرة فشكت إليها ما نالها من الفيل، /قالت الضّفادع: ما حيلتنا نحن في عظم الفيل، و أين نبلغ منه، قالت: أحبّ منكنّ أن تصرن معي إلى وهدة [٢] قريبة منه فتنقنقن [٣] فيها و تضججن فإنه إذا سمع أصواتكنّ لم يشكّ في الماء فيهوي فيها، فأجبنها إلى ذلك و اجتمعن في الهاوية فسمع الفيل نقيق الضّفادع و قد جهده العطش فأقبل حتى وقع في الوهدة فانحطم [٤] فيها و جاءت القبّرة ترفرف على رأسه و قالت:
أيّها الطاغي المغترّ بقوّته المحتقر لأمري كيف رأيت عظم حيلتي مع صغر جثّتي عند عظم جثّتك و صغر همّتك.
فليشر كلّ واحد منكم بما يسنح [٥] له من الرأي. قالوا بأجمعهم: أيها الفيلسوف الفاضل و الحكيم العادل أنت المقدّم فينا و الفاضل علينا، و ما عسى أن يكون مبلغ رأينا عند رأيك و فهمنا عند فهمك، غير اننا نعلم أنّ السّباحة في الماء مع التمساح تغرير [٦] و الذنب فيه لمن دخل عليه في موضعه. و الذي يستخرج السّمّ من
[١] يقمه: يأكله
[٢] الوهدة: الأرض المنخفضة.
[٣] النقنقة: صوت الضفادع.
[٤] انحطم: تكسر.
[٥] يسنح: يعرض و يخطر.
[٦] تغرير: أي تعريض النفس للهلكة.
غ