كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٢١ - باب مقدمة الكتاب
ناب الحيّة فيبتلعه ليجرّبه على نفسه فليس الذنب للحيّة، و من دخل على الأسد في غابته لم يأمن و ثبته [١] ، و هذا الملك لم تفزعه النوائب و لم تؤدّبه التجارب، و لسنا نأمن عليك [٢] من سورته و مبادرته [٣] بسوء إذا لقيته بغير ما يحبّ، فقال الحكيم بيدبا:
لعمري لقد قلتم فأحسنتم، لكنّ ذا الرّأي الحازم لا يدع أن يشاور من هو دونه أو فوقه في المنزلة، و الرأي الفرد لا يكتفى به في الخاصّة و لا ينتفع به في العامّة، و قد صحّت عزيمتي [٤] على لقاء دبشليم، و قد سمعت مقالتكم و تبيّن لي نصيحتكم و الاشفاق عليّ و عليكم، غير اني قد رأيت رأيا و عزمت عزما و ستعرفون حديثي عند الملك و مجاوبتي إيّاه فإذا اتّصل بكم خروجي من عنده فاجتمعوا إليّ... و صرفهم و هم يدعون له بالسلامة.
ثمّ إنّ بيدبا اختار يوما للدّخول على الملك، حتى إذا كان ذلك الوقت ألقى عليه مسوحه [٥] و هي لباس البراهمة و قصد باب الملك، و سأل عن صاحب إذنه فأرشد اليه و سلّم عليه و أعلمه و قال له: إني رجل قصدت الملك في نصيحة، فدخل الآذن على الملك في وقته، و قال: بالباب رجل من البراهمة يقال له بيدبا ذكر أنّ معه للملك نصيحة، فأذن له فدخل و وقف بين يديه و كفّر [٦] و سجد له و استوى [٧] قائما و سكت و فكّر دبشليم في سكوته و قال: إنّ هذا لم يقصدنا إلاّ لأمرين. إمّا أن يلتمس منّا شيئا يصلح به حاله، أو لأمر لحقه فلم يكن له به طاقة، ثم قال إن كان للملوك فضل في مملكتها فإنّ للحكماء فضلا في حكمتها أعظم، لأنّ الحكماء أغنياء عن الملوك
[١] وثبته: قفزته.
[٢] و في نسخة زيادة نصها: و لا على أنفسنا سطوته، انا نخاف عليك.
[٣] الحدة و السبق.
[٤] أي صممت.
[٥] مسوحه: ثوب من الشعر، واحده مسح، على وزن ملح.
[٦] مأخوذ من الكفر بفتح الكاف، تعظيم الفارسي ملكه و هو ايماء بالرأس من غير سجود.
[٧] استوى: نهض.