كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٩٢ - باب الأسد و الثور
قال كليلة: ما أرى على الأسد في رأيه في الثّور و مكانه منه و منزلته عنده شينا و لا شرّا، قال دمنة: إنّما يؤنى السلطان و يفسد أمره من قبل ستّة أشياء: الحرمان و الفتنة و الهوى و الفظاظة و الزمان و الخرق، فأمّا الحرمان فأن يحرم من صالحي الأعوان و النصحاء و السّاسة [١] من أهل الرأي و النّجدة و الأمانة و يترك التّفقّد ممن هو كذلك، و أما الفتنة فهو تحارب الناس و وقوع الحرب و النزاع بينهم، و أما الهوى فالإغرام [٢] بالنساء و الحديث و اللهو و الشراب و الصيد و ما أشبه ذلك، و أما الفظاظة فهي إفراط الشّدّة حتى يجمح اللّسان بالشتم و اليد بالبطش في غير موضعهما، و أمّا الزّمان فهو ما يصيب الناس من السّنين من الموتان [٣] و نقص الثّمرات و الغزوات و أشباه ذلك، و أما الخرق فإعمال الشّدّة في موضع اللّين و اللّين في موضع الشّدّة، و إنّ الأسد قد أغرم بالثّور إغراما شديدا هو الذي ذكرت لك أنه خليق أن يشينه و يضرّه في أمره.
قال كليلة: و كيف تطيق الثّور و هو أشدّ منك و أكرم على الأسد منك و أكثر أعوانا؟قال دمنة: لا تنظر إلى صغري و ضعفي، فإنّ الأمور ليست بالضعف و لا القوّة و لا الصّغر و لا الكبر في الجثّة، فربّ صغير ضعيف قد بلغ بحيلته و دهائه و رأيه ما يعجز عنه كثير من الأقوياء، أو لم يبلغك أنّ غرابا ضعيفا قد احتال لأسود [٤] حتى قتله، قال كليلة: و كيف كان ذلك؟
قال دمنة: زعموا أنّ غرابا كان له وكر في شجرة على جبل و كان قريبا منه جحر ثعبان أسود [٥] فكان الغراب إذا فرّخ عمد الأسود إلى فراخه فأكلها، فبلغ [٦]
[١] الساسة جـ سائس: من سياسة الدولة.
[٢] الإغرام: الولع.
[٣] السنين جـ سنة بالكسر: و هي الشدة و الضيق. و الموتان: موت المواشي.
[٤] الأسود: العظيم من الحيات.
[٥] الثعبان: الحية العظيمة. و جحره.. بيته.
[٦] فبلغ الخ.. : أي عظم عنده.