كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٢١٨ - باب ايلاذ و بلاذ و ايراخت
و النّقصان و البعيد و القريب.
فكذلك العالم يبصر البرّ و الإثم و يعرف عمل الآخرة و يتبيّن له نجاته و يهدى إلى صراط مستقيم. قال الملك: ينبغي لنا أن نتباعد منك يا إيلاذ و نأخذ الحذر و نلزم الاتّقاء [١] ، قال إيلاذ: اثنان ينبغي أن يتباعد منهما الذي يقول لا برّ و لا إثم و لا عقاب و لا ثواب و لا شيء عليّ ممّا أنا فيه، و الذي لا يصرف بصره عن المحرّم و لا أذنه عن استماع السّوء و لا نفسه عن خاصّة غيره و لا قلبه عمّا تهمّ به نفسه من الإثم و الحرص. قال الملك: صارت يدي من إيراخت صفرا [٢] ، قال إيلاذ: ثلاثة أشياء أصفار: النّهر الذي ليس فيه ماء، و الأرض التي ليس فيها ملك، و المرأة التي ليس لها بعل. قال الملك: إنّك يا إيلاذ لتلقّى الجواب [٣] ، قال إيلاذ: ثلاثة يلقّون الجواب:
الملك الذي يعطي و يقسم خزائنه، و المرأة المهداة إلى من تؤدّ من ذوي الحسب، و الرّجل العالم الموفّق للخير.
ثمّ إنّ إيلاذ لمّا رأى الملك قد اشتدّ به الأمر قال: أيّها الملك إنّ إيراخت على قيد الحياة، فلمّا سمع الملك ذلك اشتدّ فرحه و قال: يا إيلاذ إنّما منعني من الغضب ما أعرف من نصيحتك و صدق حديثك و كنت أرجو لمعرفتي بعلمك أن لا تكون قد قتلت إيراخت، فإنّها و إن كانت أتت عظيما و أغلظت في القول فلم تأته عداوة و لا طلب مضرّة و لكنّها فعلت ذلك للغيرة، و قد كان ينبغي لي أن أعرض عن ذلك و أحتمله، و لكنّك يا إيلاذ أردت أن تخبرني و تتركني في شكّ من أمرها، و قد اتّخذت عندي أفضل الأيادي [٤] و أنا لك شاكر فانطلق فأتني بها، فخرج من عند الملك فأتى إيراخت و أمرها أن تتزيّن ففعلت ذلك و انطلق بها إلى الملك فلمّا دخلت سجدت له ثمّ قامت بين يديه
[١] الاتقاء: التوقي.
[٢] الصفر (بالكسر) : الخالي يقال بيت صفر من المتاع و رجل صفر اليدين.
[٣] بمعنى: تلهمه يريد سرعة جوابه و سداد رأيه.
[٤] الأيادي: جـ يد بمعنى النعمة و الإحسان.