كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٢١٦ - باب ايلاذ و بلاذ و ايراخت
جمال إيراخت و اشتدّ أسفه عليها و جعل يعزّي نفسه عنها و يتجلّد، و هو مع ذلك يستحي أن يسأل إيلاذ أ حقّا أمضى أمره فيها أم لا، و رجا لما عرف من عقل إيلاذ أن لا يكون قد فعل ذلك، و نظر إليه إيلاذ بفضل عقله فعلم الذي به، فقال له: لا تهتمّ و لا تحزن أيّها الملك فانّه ليس في الهمّ و الحزن منفعة و لكنّهما ينحلان الجسم و يفسدانه، فاصبر أيّها الملك على ما لست بقادر عليه أبدا. و إن أحبّ الملك حدّثته بحديث يسلّيه. قال حدّثني.
قال إيلاذ: زعموا أنّ حمامتين ذكرا و أنثى ملآ عشّهما من الحنطة و الشّعير. فقال الذّكر للأنثى: إنّا إذا وجدنا في الصّحارى [١] ما نعيش به فلسنا نأكل ممّا هاهنا شيئا، فإذا جاء الشّتاء و لم يكن في الصّحارى شيء رجعنا إلى ما في عشّنا فأكلناه، فرضيت الأنثى بذلك و قالت له: نعمّا رأيت، و كان ذلك الحبّ نديّا [٢] حين وضعاه في عشّهما، فانطلق الذّكر فغاب. فلمّا جاء الصّيف يبس الحبّ و انضمر [٣] فلمّا رجع الذّكر رأى الحبّ ناقصا فقال لها: أ ليس كنّا جمعنا رأينا على أن لا نأكل منه شيئا فلم أكلته؟فجعلت تحلف أنّها ما أكلت منه شيئا و جعلت تعتذر إليه فلم يصدّقها و جعل ينقرها حتى ماتت.
فلمّا جاءت الأمطار و دخل الشّتاء تندّى الحبّ و امتلأ العشّ كما كان، فلمّا رأى الذّكر ذلك ندم، ثمّ اضطجع إلى جانب حمامته و قال: ما ينفعني الحبّ و العيش بعدك إذا طلبتك فلم أجدك و لم أقدر عليك. و إذا فكّرت في أمرك و علمت أني قد ظلمتك و لا أقدر على تدارك [٤] ما فات، ثمّ استمرّ على حزنه فلم يطعم [٥] طعاما و لا شرابا حتى مات إلى جانبها.
[١] الصحارى: جـ صحراء و هي البرية.
[٢] نديا: رطبا مبللا.
[٣] انضمر: خف و صغر جرمه.
[٤] تدارك: أي تلافى.
[٥] لم يطعم: لم يذق طعاما.