كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٢١٥ - باب ايلاذ و بلاذ و ايراخت
و كان من سنّة الملك أن تهيئ له المرأة التي يكون عندها في ليلتها أرزّا بحلاوة فتطعمه، فأتى الملك إيراخت في نوبتها و قد صنعت له أرزّا فدخلت عليه بالصّحفة و الإكليل على رأسها فعلمت حورقناه بذلك فغارت من إيراخت فلبست تلك الكسوة و مرّت بين يدي الملك و تلك الثّياب تضيء عليها مع نور وجهها كما تضيء الشّمس فلمّا رآها الملك أعجبته ثمّ التفت إلى إيراخت فقال: إنّك جاهلة حين أخذت الإكليل و تركت الكسوة التي ليس في خزائننا مثلها. فلمّا سمعت إيراخت مدح الملك لحورقناه و ثناءه عليها و تجهيلها هي و ذمّ رأيها أخذها من ذلك الغيرة و الغيظ فضربت بالصّحفة رأس الملك فسال الأرزّ على وجهه و كان ذلك تمام تعبير الرّؤيا التي عبّرها كباريون فقام الملك من مكانه و دعا بإيلاذ و قال: أ لا ترى و أنا ملك العالم، و كيف حقرتني هذه الجاهلة و فعلت بي ما ترى فانطلق بها فاقتلها و لا ترحمها.
فخرج إيلاذ من عند الملك و قال: لا أقتلها حتى يسكن عنه الغضب فالمرأة عاقلة شديدة الرّأي من الملكات التي ليس لها عديل في النّساء و ليس الملك بصابر عنها، و قد خلّصته من الموت و عملت أعمالا صالحة و رجاؤنا فيها عظيم، و لست آمنه أن يقول: لم لم تؤخر قتلها حتّى تراجعني، فلست قاتلها حتى أنظر رأي الملك فيها ثانية فإن رأيته نادما حزينا على ما صنع جئت بها حيّة، و كنت قد عملت عملا عظيما و أنجيت إيراخت من القتل و حفظت قلب الملك و اتّخذت عند عامّة الناس بذلك يدا [١] و إن رأيته فرحا مستريحا مصوّبا رأيه في الذي فعله و أمر به فقتلها لا يفوت، ثمّ انطلق بها إلى منزله و وكّل بها خادما من أمنائه و أمره بخدمتها و حراستها حتى ينظر ما يكون من أمرها و أمر الملك، ثمّ خضب سيفه بالدّم و دخل على الملك كالكئيب الحزين فقال: أيّها الملك إنّي قد أمضيت أمرك في إيراخت فلم يلبث الملك أن سكن عنه الغضب و ذكر
[١] تطلق اليد على معان متعددة منها الجاه و الاعتبار و هي المراد بها هنا. و منها النعمة و الإحسان و القوة و القدرة الخ...