كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٤١ - باب الحمامة المطوّقة
لا يريد بذلك نفع الطّير و إنّما يريد نفع نفسه، فتعاطي ذات النفس أفضل من تعاطي ذات اليد، و إني وثقت منك بذات نفسك و منحتك من نفسي مثل ذلك، و ليس يمنعني من الخروج إليك سوء ظنّ بك و لكن قد عرفت أنّ لك أصحابا جوهرهم كجوهرك و ليس رأيهم فيّ كرأيك. قال الغراب: إنّ من علامة الصّديق أن يكون لصديق صديقه صديقا و لعدوّ صديقه عدوّا و ليس لي بصاحب و لا صديق من لا يكون لك محبّا، و إنه يهون عليّ قطيعة من كان كذلك من جوهري. ثمّ إنّ الجرذ خرج إلى الغراب فتصافحا و تصافيا و أنس كلّ واحد منهما بصاحبه حتى إذا مضت لهما أيام قال الغراب للجرذ: إنّ جحرك قريب من طريق النّاس و أخاف أن يرميك بعض الصّبيان بحجر، ولي مكان في عزلة و لي فيه صديق من السلاحف و هو مخصب من السّمك و نحن واجدون هناك ما نأكل فأريد أن أنطلق بك إلى هناك لنعيش آمنين. قال الجرذ: إنّ لي أخبارا و قصصا سأقصّها عليك إذا انتهينا حيث تريد فافعل ما تشاء، فأخذ الغراب بذنب الجرذ و طار به حتى بلغ حيث أراد فلمّا دنا من العين التي فيها السّلحفاة بصرت السّلحفاة بغراب و معه جرذ فذعرت منه و لم تعلم أنه صاحبها، فناداها فخرجت إليه و سألته: من أين أقبلت؟فأخبرها بقصّته حين تبع الحمام و ما كان من أمره و أمر الجرذ حتى انتهى إليها. فلمّا سمعت السّلحفاة شأن الجرذ عجبت من عقله و وفائه و رحّبت به و قالت له: ما ساقك إلى هذه الأرض؟قال الغراب للجرذ: اقصص عليّ الأخبار التي زعمت أنّك تحدّثني بها فأخبرني بها مع جواب ما سألت السّلحفاة فإنّها عندك بمنزلتي. فبدأ الجرذ و قال:
«كان منزلي أوّل أمري بمدينة (ما روت) في بيت رجل ناسك و كان خاليا من الأهل و العيال، و كان يؤتي في كلّ يوم بسلّة من الطّعام فيأكل منها حاجته