كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٨٢ - باب الأسد و الثور
قال دمنة: قد فهمت كلامك جميعه و تدبّرت [١] ما قلت و أنت صادق و لكن اعلم أنّ الذي هو قريب من السّلطان و لا ذلك موضعه و لا تلك منزلته ليس كمن دنا منه بعد البعد و له حقّ و حرمة، و أنا ملتمس بلوغ مكانتهم بجهدي، و قد قيل لا يواظب على باب السّلطان إلاّ من يطرح الأنفة [٢] و يحمل الأذى، و يكظم [٣] الغيظ، و يرفق بالنّاس و يكتم السّرّ، فإذا وصل إلى ذلك فقد بلغ مراده، قال كليلة: هبك [٤] وصلت إلى الأسد فما توفيقك عنده الذي ترجو أن تنال به المنزلة و الحظوة لديه، قال دمنة: لو دنوت منه و عرفت أخلاقه لرفقت في متابعته و قلة الخلاف له و إذا أراد أمرا هو في نفسه صواب زيّنته له و صبّرته عليه و عرّفته بما فيه من النّفع و الخير و شجّعته عليه و على الوصول إليه حتى يزداد به سرورا، و إذا أراد أمرا يخاف عليه ضرّه و شينه [٥] بصّرته بما فيه من الضرّ و الشين و أطلعته على ما في تركه من النّفع و الزّين بحسب ما أجد إليه السبيل، و أنا أرجو أن أزداد بذلك عند الأسد مكانة و يرى منّي ما لا يراه من غيري، فإنّ الرّجل الأديب الرّفيق [٦] لو شاء أن يبطل حقّا أو يحقّ باطلا لفعل كالمصوّر الماهر الذي يصوّر في الحيطان صورا كأنها خارجة و ليست بخارجة و أخرى كأنها داخلة و ليست بداخلة، فإذا هو عرف ما عندي، و بان له حسن رأيي و جودة فكري، التمس إكرامي و قرّبني إليه.
قال كليلة: أمّا إن قلت هذا أو قلت هذا فإني أخاف عليك من السّلطان فإنّ صحبته خطرة، و قد قالت العلماء إنّ ثلاثة لا يجترئ عليهنّ إلاّ أهوج و لا يسلم منهنّ إلاّ قليل، و هي صحبة السّلطان و ائتمان النساء على الأسرار، و شرب السّمّ للتّجربة، و إنّما شبّه العلماء السلطان بالجبل الصّعب المرتقى [٧] الذي فيه الثّمار
[١] تدبرت: تفكرت.
[٢] الأنفة: الاستكبار.
[٣] كظم الغيظ: أمسكه.
[٤] هبك: هب انك.
[٥] شينه: عيبه.
[٦] الرفيق: من الرفق و هو اللطف و اللين.
[٧] المرتقى و المرقي: موضع الرقي.
غ