كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٣١ - باب مقدمة الكتاب
يدك انتعشنا [١] و لكن سنجهد أنفسنا فيما أمرت.. » . و مكث الملك على ذلك من حسن السيرة زمانا يتولّى له ذلك بيدبا و يقوم به.
ثمّ إن الملك دبشليم لما استقرّ له الملك و سقط عنه النظر في أمور الأعداء بما قد كفاه ذلك بيدبا صرف همته إلى النظر في الكتب التي وضعتها فلاسفة الهند لآبائه و أجداده فوقع في نفسه [٢] أن يكون له أيضا كتاب مشروح ينسب إليه و تذكر فيه أيّامه كما ذكر آباؤه و أجداده من قبله، فلما عزم على ذلك علم أنه لا يقوم بذلك إلاّ بيدبا فدعاه و خلا به، و قال له: يا بيدبا انك حكيم الهند و فيلسوفها، و إني فكّرت و نظرت في خزائن الحكمة التي كانت للملوك قبلي فلم أر فيهم أحدا إلاّ وضع كتابا تذكر فيه أيّامه و سيرته و ينبئ عن أدبه و أهل مملكته، فمنه ما وضعته الملوك لأنفسها و ذلك لفضل حكمة فيها، و منه ما وضعته حكماؤها و أخاف أن يلحقني ما لحق أولئك مما لا حيلة لي فيه و لا يوجد في خزائني كتاب أذكر به بعدي و ينسب إليّ كما ذكر من كان قبلي بكتبهم و قد أحببت أن تضع لي كتابا بليغا تستفرغ فيه عقلك يكون ظاهره سياسة العامّة و تدريبها على طاعة الملوك، و باطنه أخلاق الملوك و سياستها للرعيّة فيسقط بذلك عني و عنهم كثير ممّا نحتاج إليه في معاناة الملك و أريد أن يبقى لي هذا الكتاب بعدي ذكرا على غابر الدهور، فلمّا سمع بيدبا كلامه خرّ له ساجدا و رفع رأسه و قال:
أيّها الملك السعيد جدّه، علا نجمك و غاب نحسك و دامت أيّامك إن الذي قد طبع عليه الملك من جودة القريحة و وفور العقل حرّكه إلى عالي الأمور، و سمت به نفسه و همّته إلى أشرف المراتب منزلة و أبعدها غاية، و أدام اللّه سعادة الملك و أعانه على ما عزم من ذلك و أعانني على بلوغ مراده، فليأمر الملك بما شاء من ذلك فإني صائر إلى غرضه مجتهد فيه برأيي، قال له الملك: يا بيدبا لم تزل موصوفا بحسن الرأي
[١] انتعشنا: نهضنا من عثرتنا.
[٢] وقع في نفسه: أي خطر بباله.