شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٨٨ - الحديث الثالث
اللّهمّ ارزق محمّدا و آل محمّد و من أحبّ محمّدا و آل محمّد العفاف و الكفاف، و ارزق من أبغض محمّدا و آل محمّد المال و الولد.
قوله: (قال رسول اللّه اللهم ارزق محمدا و آل محمد ... العفاف و الكفاف)
(١) العفاف بالفتح عفة البطن و الفرج عن الطغيان، أو العفة من السؤال عن الانسان، أو الجميع (و ارزق من أبغض محمدا و آل محمد المال و الولد)
(٢) لما كان شيء من المال ضروريا فى البقاء و العبادة و هو الكفاف الواقع بين الطرفين طرف الفقر الّذي فيه رائحة الكفر و العصيان، و طرف الغنى الّذي فيه شائبة التكبر و الطغيان طلبه لنفسه و لمحبيه و طلب لمن أبغضهم طرف الغنى و الكثرة لان مفاسده أكثر و أعظم و فتنته أشد و أفخم من مفاسد الفقر و فتنته كما قال عز و جل «أَنَّمٰا أَمْوٰالُكُمْ وَ أَوْلٰادُكُمْ فِتْنَةٌ*» و قال: «إِنَّ الْإِنْسٰانَ لَيَطْغىٰ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنىٰ» و قال أمير المؤمنين (ع) «المال مادة الشهوات» و بالجملة لما كان حصول الكفاف مانعا من دواعى طرفى التفريط و الافراط و كان العبد معه مستقيم الاحوال على سواء الصراط طلبه لنفسه و لمحبيه و مضمون الحديث متفق عليه بين الخاصة و العامة. ففى مسلم عن النبي (ص) أنه قال «اللهم اجعل رزق محمد قوتا» و المراد بالقوت الكفاف و عنه أيضا «اللهم اجعل رزق محمد كفافا» و عنه أيضا «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا» قال عياض لا خلاف فى فضيلة ذلك لقلة الحساب عليه فانما اختلف أيهما أفضل: الفقر أو الغنى، و احتج كل لمذهبه، و احتج من فضل الفقر بدخول الفقراء الجنة قبل الاغنياء، و قال القرطبى القوت ما يقوت الابدان و يكف عن الحاجة و هذا الحديث حجة لمن قال ان الكفاف أفضل لانه (ص) انما يدعو بالارجح و أيضا فان الكفاف حالة متوسطة بين الفقر و الغنى، و خير الامور أوسطها، و أيضا فانه حالة يسلم معها من آفات الفقر و آفات الغنى، و قال الابى فى كتاب اكمال الاكمال: فى المسألة خلاف و المتحصل فيها أربعة أقوال قيل الغنى أفضل، و قيل الفقر أفضل. و قيل الكفاف أفضل، و قيل الوقف. و قال ابن رشد و الّذي أقول به أن الغنى أفضل من الفقر و الفقر أفضل من الكفاف و أطال الاحتجاج عليه فى جامع المقدمات و المراد بالرزق المذكور ما ينتفع به (ص) فى نفسه و فى أهل بيته و ليس المراد به الكسب لانه كسب من خيبر و من غيرها فوق القوت انتهى كلامه. و اعلم أن الاحاديث مختلفة ففى بعضها طلب الغنى و اليسار، و فى بعضها طلب الكفاف، و فى بعضها طلب الفقر، و فى بعضها الاستعاذة من الفقر و يمكن أن يقال المراد بطلب الغنى طلب الكفاف لان الكفاف هو الغنى المطلوب عند أهل العصمة (عليهم السلام) و ليس المراد به ما هو المتعارف عند أبناء الدنيا من جمع المال و ادخاره و الاتساع فيه فوق الحاجة، و بطلب الفقر أيضا طلب الكفاف لان الكفاف فقر عند أهل الدنيا و ان كان غنا عندهم (عليهم السلام)، و بالاستعاذة من الفقر الاستعاذة مما دون الكفاف و هو الفقر عندهم (عليهم السلام) و أقوى أفراده عند أهل الدنيا، و على هذا لا تنافى