شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٦٥ - الحديث الخامس عشر
و إنّ الآخرة قد ارتحلت مقبلة و لكلّ واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة و لا تكونوا من أبناء الدّنيا [ألا] و كونوا من الزّاهدين في الدّنيا، الرّاغبين في الآخرة، ألا إنّ الزّاهدين في الدّنيا اتّخذوا الأرض بساطا و التراب فراشا و الماء طيبا و قرّضوا من الدّنيا تقريضا، ألا و من اشتاق إلى الجنّة سلا عن الشّهوات و
ارتحلت مقبلة)
(١) الآخرة عبارة عن دار جامعة لاحوال يعود إليها الناس بعد الموت من طاعة و معصية و سعادة و شقاوة و غيرها و لما كان تقضى العمر شيئا فشيئا باعثا للوصول الى تلك الدار و الورود على ما فيها من خير أو شر كان كل أحد متوجها إليها و اعتبر توجهها إليه أيضا فشبهها بحيوان حامل لاثاث تلك الاحوال مقبلا إليه فعن قريب يتلاقيان «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» و الى مضمون الفقرتين أشار أمير- المؤمنين (ع) بقوله «كل ماض فكان لم و كل آت فكان قد» أى كان لم يكن و كان قد اتى حذف الفعلان لظهورهما
(و لكل واحدة منهما بنون)
(٢) استعار لفظ البنين للخلق بالنسبة الى الدنيا و الآخرة و لفظ الأب لهما و وجه الاستعارة ان الابن لما كان من شأنه الميل الى الأب بحسب الطبع أو بحسب توقع النفع و من شأن أبيه ايصال المتوقع و كان الخلق منهم من يميل الى الدنيا لتوقع النفع و هى يوصله إليه و منهم من يميل الى الآخرة لذلك شبه الخلق بالابن و الدنيا و الآخرة بالاب و استعار لفظ الابن لهم و لفظ الأب لهما لتلك المشابهة المذكورة و لما كان غرضه حث الخلق على الآخرة و الميل إليها و الاعراض عن الدنيا قال
(فكونوا من أبناء الآخرة و لا تكونوا من أبناء الدنيا)
(٣) لان منافع الدنيا خيالية باطلة و سموم قاتلة و منافع الآخرة حقائق دائمة و فوائد باقية أبدا فينبغى أن تكونوا والهين إليها و راغبين فيها و عاملين لها و أشار الى أن المقصود ليس مجرد رفض الدنيا و ترك العمل لها بل هو مع ازالة حبها عن القلب
بقوله:
(و كونوا من الزاهدين فى الدنيا الراغبين فى الآخرة)
(٤) لان الزهد هو رفض الدنيا ظاهرا و باطنا و لا يتحقق الرغبة فى الآخرة الا به فأشار الى بعض آثار الزهد و علاماته
بقوله: (ألا ان الزاهدين فى الدنيا اتخذوا الارض بساطا و التراب فراشا و الماء طيبا و قرضوا من الدنيا تقريضا)
(٥) البساط فعال بمعنى مفعول كالكتاب بمعنى المكتوب و الفراش بمعنى المفروش و الطيب اللذيذ أو العطر و التقريض بمعنى التقطيع و ازالة الاتصال من قرضت الثوب اذا قطعته بالمقراض، أو بمعنى التجاوز من قرضت الوادى اذ اجزته أو بمعنى العدول من قرضت المكان اذا عدلت عنه، و بعض أطوار الزاهد ما أشار إليه أمير المؤمنين (ع) فى وصف عيسى على نبينا و عليه الصلاة و السلام بقوله «فلقد كان يتوسد الحجر و يلبس الخشن، و