شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٦١ - الحديث العاشر
القلب إذا صفا ضاقت به الأرض حتّى يسمو.
(١) و فيه اشارة الى أعلى درجات الزاهد و هو أن يفرغ قلبه عن غير اللّه تعالى حتى الخوف من النار و الطمع فى الجنة لسكره بحلاوة المحبة و القرب منه فلا يرى لغيره وجودا فضلا عن أن يشتغل به و هو مقام الفناء فى اللّه و انما قلنا هذا أعلى درجات الزاهد لان أدنى درجاته أن يترك الدنيا و يصبر على الترك مع الميل إليها. و أوسطها أن يترك الميل إليها أيضا و هو بعد فى مقام الكثرة و اذا داوم عليه و صار ذلك ملكة له و طهر ظاهره و باطنه عن جميع المقابح لان كلها ناشية من حب الدنيا يرتقى من هذا المقام الى مقام التوحيد المطلق و عالم القدس فيتجلى فيه أنوار الحق و أسراره و يشاهد بنور البصيرة جماله و كماله و عظمته و قدرته فيستغرق فى بحر محبته و يغفل عن نفسه فضلا عن غيره بذوق حلاوة حبه و يصير حينئذ أطواره و أوضاعه و أقواله و أفعاله و حركاته و سكناته غير أطوار أهل الدنيا و أوضاعهم و أقوالهم و أفعالهم و حركاتهم و سكناتهم فيظنون أنه خولط و اختل عقله حيث لم يجدوا عقله كعقلهم و فعله كفعلهم و لذلك نسب كفرة قريش الجنون الى النبي المبارك (ص) و يقرب منه
قوله: (ان القلب اذا صفا ضاقت به الارض حتى يسمو)
(٢) القلب من عالم القدس النورانى [١] و عالم الاعلى الروحانى و سكونه الى هذا العالم الجسمانى و استقراره فى عالم البدن الانسانى انما هو بقدر تعلقه به و غفوله عن ذلك العالم الاصلى فاذا صفا عن الخبائث النفسانية و الرذائل الشيطانية و القيودات الدنيوية و التعلقات البشرية و الطبيعية و اتصف بالكمالات الروحانية و الصفات الشريفة الربانية تذكر مكانه الاصلى و قطع يده عن الاسباب و تعلق برب الارباب فينكشف عنه الحجاب فضاقت به الارض فيضطرب و يستوحش منها و لا يستقر حتى يسمو و يرتفع من هذا العالم الى العالم الاعلى و يتشرف بقرب المولى، و ان شئت زيادة توضيح فنقول لما كانت الارض أعظم أجزاء الانسان و كانت قواه الظاهرة و الباطنة مائلة إليها بالطبع لكمال النسبة بينهما كانت الدواعى الى زهراتها حاضرة و البواعث الى لذاتها ظاهرة فربما يشتغل بها و يكتسب الاخلاق و الاعمال الفاسدة لتحصيل المقاصد حتى تصير النفس تابعة لها راضية بأثرها مشعوفة بعملها منكدرة بالشهوات منغمسة فى اللذات فتحب الاستقرار فى الارض و تركن إليها، و أما اذا منعت تلك القوى عن مقتضاها و صرفتها عن هواها و روضتها بمقامع الشريعة و ادبتها بآداب الطريقة حتى غلبت عليها وصفت عن كدوراتها و ظهرت عن خبائث لذاتها و تخلصت من قيوداتها و تحلت بالاخلاق الفاضلة و الاعمال الصالحة و الآداب الرفيعة و الاطوار المرضية ضاقت بها الارض حتى تسمو الى عالم النور و الروحانية فتشاهد عالم الاعلى بالعيان و تنظر الى الحق بعين العرفان و يزداد لها نور الايمان و الايقان فتعاف جملة الدنيا و الاستقرار فى الارض فبدنها فى هذه الدنيا و هى فى عالم الاعلى. و فيه ترغيب للعقلاء فى
[١] فى ذلك كلام يأتى إن شاء اللّه تعالى.