شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٥٩ - الحديث التاسع
لأصحابه: كم يساوي هذا؟ فقالوا: لعلّه لو كان حيّا لم يساو درهما، فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): و الّذي نفسي بيده للدّنيا أهون على اللّه من هذا الجدي على أهله.
الغرض من هذا السؤال تقريرهم على أنه خبيث لا قيمة له فهم أقروا بذلك
(فقالوا لعله لو كان حيا لم يساو درهما)
(١) فهو على هذه الحالة الكريهة غير مرغوب لاحد فلا قيمة له، و الغرض من هذا التقرير تنفيرهم عن الدنيا بتشبيهها به و تفضيلها عليه فى الهون و الخبث لانه لا ينفع و لا يضر بخلاف الدنيا فانها تضر كثيرا
(فقال النبي (ص) و الّذي نفسى بيده للدنيا أهون على اللّه من هذا الجدى على أهله)
(٢) نظيره قول أمير المؤمنين (ع) «و اللّه لدنياكم هذه أهون فى عينى من عراق خنزير فى يد مجذوم» العراق بضم العين و تخفيف الراء العظم و أيضا نظيره ما رواه مسلم عن جابر بن عبد اللّه الانصارى «أن رسول اللّه (ص) مر بالسوق فمر بجدى اسك ميت فتناوله فأخذ باذنه ثم قال أيكم يحب ان هذا له بدرهم؟ فقالوا ما نحب أنه لنا بشيء و ما نصنع به قال تحبون أنه لكم؟ قالوا و اللّه لو كان حيا كان عيبا فيه لانه اسك فكيف و هو ميت فقال فو اللّه للدنيا أهون على اللّه من هذا عليكم» و روى «أن الدنيا يوم القيامة تقول [١] يا رب اجعلنى لادنى أوليائك نصيبا اليوم فيقول اللّه جل جلاله اسكتى يا لا شيء انى لم ارضك لهم فى الدنيا كيف أرضاك لهم اليوم»
[١] قوله «ان الدنيا يوم القيامة تقول» لا يخفى أن هذا الخبر لا يوافق ما فى أذهان بعض الناس من أن الفرق بين الدنيا و الآخرة بتقدم الاولى زمانا و تأخر الاخرى كذلك و الآخرة عندهم هى الدنيا بعينها لكن فى زمان متأخر نظير تأخر امة ابراهيم عن امة نوح (عليهما السلام) و كما لا يمكن ان يطلب رجل من عهد ابراهيم (ع) ان يجعله اللّه تعالى فى زمان نوح (ع) كذلك لا يمكن ان يطلب أحد من اللّه بعد مضى الدنيا و انقضائها ان يجعله من أهل الدنيا و الحق أن الفرق بين العالمين ليس بالتأخر و التقدم الزمانيين فقط بل بينهما فرق فى امور كثيرة كما يظهر لمن تتبع الآيات الكريمة و الروايات الكثيرة و ليس هنا موضع ذكرها و لذلك لم يجب اللّه تعالى السائلين عن وقت الساعة و زمانها و لم يقررهم على جهلهم و المعنى أن الدنيا طلبت من اللّه تعالى أن يجعل الصالحين من أهل الدنيا لا الدنيا المتقدمة زمانا بل الدنيا الجامعة لهذه الصفات المختصة بها من التغير و الكون و الفساد و أمثالها و لو فى زمان متأخر بالنسبة الى الدنيا السابقة لا بالنسبة الى الآخرة اذ ليس بعد الآخرة شيء و قد سبق فى الصفحة ٣١٨ من هذا الجزء قول الشارح قد صرح بعض أصحابنا بأن عذاب المستحق له واقع بالفعل و ان جهنم لمحيطة به و انه داخل فيها و لكن الحجاب مانع من رؤيتها لحكمة تقتضيه.
انتهى، و هذا يدل على عدم تأخر العذاب عن الدنيا تأخرا زمانيا. (ش)