شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٥١ - الحديث الأول
إلى دار السّلام.
و الاستحقاق للعقوبة الدنيوية و الاخروية، و أما دواؤها فهو تنزيه النفس عن الميل الى زهراتها و الرغبة فى قنياتها و العبرة بأحوال الماضين و الاتعاظ بأوضاع السابقين حيث كانوا أطول أعمارا و أعمر ديارا و أبعد آثارا و أشد قوة و أكثر أعوانا فقد صارت أصواتهم هامدة و رياحهم راكدة و أجسادهم بالية و ديارهم خالية و آثارهم عافية فاستبدلوا بالقصور المشيدة و النمارق الممهدة الصخور و الاحجار المسندة و القبور اللاصقة اللاطئة و العجب ان المؤمن يعلم أن الامراض الروحانية ليست بأهون من الامراض الجسدانية و هو يسعى فى دفع هذه الامراض بقدر الامكان و يغفل عن دفع الاولى و يضعها فى زاوية النسيان، و من اللّه التوفيق و التكلان
(و أخرجه من الدنيا سالما)
(١) [١] من الافات فى الدين و النواقص فى اليقين
(الى دار السلام)
(٢) و هى الجنة التى اعدت للمتقين.
[١] قوله «و اخرجه من الدنيا سالما» يدل الحديث بسياقه على ان السلامة عند الخروج من الدنيا انما هى بسبب بصيرة الرجل على عيوب الدنيا و ثبات الحكمة فى عقله و ان العقل لا يكمل الا بالزهد و الحكمة لا تثبت الا بالعقل و ليس خلق العقل لعمران الدنيا و الا لم يكن يكمل بالزهد، بل كان يكمل بالحرص كما يكمل الجربزة و المكر به. و يهمنا هنا بيان شيئين الاول أن العقل أو القلب أو النفس الناطقة- و كل ما شئت فسمه- موجود جوهرى مستقل عن البدن بنفسه و ليس من اجزاء هذا الدنيا و اعراضها بل هو من عالم آخر و من سنخ الملائكة المدبرة و العقول القدسية العالمة بجميع الاشياء و المطلعة على الغيوب التى ترتبط نفوس الانسان معها فى الرؤيا الصادقة على ما سبق. و الثانى أن الموجود الجوهرى باق ببقاء علته و لا يفنى أبدا الا أن يفنى علته و ليس كالاعراض و التركيبات التى تفنى مع بقاء علتها الفاعلة بتلاشى اجزائها و تفكك عناصرها- قال المحقق الطوسى فى التجريد: و السمع دل عليه يعنى على العدم. و قال العلامة- (رحمه اللّه)- فى شرحه يدل على وقوع العدم السمع و هو قوله تعالى «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ» و قوله تعالى «كُلُّ شَيْءٍ هٰالِكٌ إِلّٰا وَجْهَهُ» و قال تعالى «كُلُّ مَنْ عَلَيْهٰا فٰانٍ» و قد وقع الاجماع على الفناء و انما الخلاف فى كيفيته على ما سيأتى، و قال المحقق الطوسى- (رحمه اللّه)- و يتأول فى المكلف بالتفريق كما فى قصة ابراهيم (ع)، و قال العلامة المحققون على امتناع اعادة المعدوم و سيأتى البرهان على وجوب المعاد و هاهنا قد بين ان اللّه تعالى يعدم العالم و ذلك ظاهر المناقضة ثم قال عليه الرحمة: تأول المصنف معنى الاعدام بتفريق أجزائه و الامتناع فى ذلك فان المكلف بعد تفريق أجزائه يصدق عليه أنه هالك بمعنى أنه غير منتفع به أو يقال أنه هالك بالنظر الى ذاته اذ هو ممكن و كل ممكن بالنظر الى ذاته لا يجب له الوجود اذ لا وجود الا للواجب بذاته أو بغيره فهو هالك انتهى، و نقل هو عن الكرامية و هم طائفة من المسلمين و الجاحظ و هو من رؤساء المعتزلة القول باستحالة عدم العالم بعد وجوده فلا تفنى بذاتها و لا بالفاعل لان شأنه الايجاد لا الاعدام و هذا لا يثبت مطلوبهم لانهم اعترفوا بامكان الوجود للعالم ذاتا و الامكان لا يجتمع مع استحالة العدم و بالجملة فالاعدام عند العلامة و غيره من المحققين انما هو بمعنى التفريق فى المركبات و لا يتحقق فى البسائط الجوهرية و النفس الناطقة تبقى بعد ثبوت تجردها و عدم توقف وجودها على تركيب العناصر فى البدن. (ش)