شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٥٠ - الحديث الأول
قلبه و أنطق بها لسانه و بصرّة عيوب الدّنيا داءها و دواءها و أخرجه من الدّنيا سالما
فدرجاته أيضا ثلاثة الدرجة السفلى أن يترك المحرمات الشرعية و الاعمال القبيحة، و الدرجة الوسطى أن يترك مع ذلك الرذائل النفسانية مثل الشهوة و الغضب و الكبر و حب الرئاسة و أمثالها، و الدرجة العليا أن يترك جميع ما سوى اللّه جل شأنه و هو فى هذه الدرجة يزهد فى نفسه أيضا و لا ترى فى الوجود الا هو و هو معنى الوحدة. و أما الثالث فدرجاته أيضا ثلاثة الدرجة السفلى أن يكون الغرض من زهده هو النجاة من النار و من سائر الآلام كعذاب القبر و مناقشة الحساب و خطرات الصراط و بواقى الاهوال المتعلقة بالقيامة، و الدرجة الوسطى أن يكون الغرض مع ذلك الرغبة فى ثواب اللّه و نعيم الجنة و اللذات الموعودة مثل الحور و القصور و غيرها، و الدرجة العليا أن لا تكون له رغبة الا وجه اللّه و لقاه و لا يلتفت الى سواه و هذا زهد المحبين و رغبة العاشقين [١] و اذا ضربت الثلاثة الاولى فى الثلاثة الوسطى ثم الحاصل فى الثلاثة الاخيرة حصل سبعة و عشرون نوعا متفاوت المراتب و الدرجات و يندرج تحت كل نوع أشخاص و جزئيات غير محصورة و اللّه ولى التوفيق، و قد أشار (ع) الى بعض آثار الزهد و لوازمه
بقوله: (اثبت اللّه الحكمة فى قلبه)
(١) حتى يصير قلبه نورا إلهيا وضوءا ربانيا ينقلع عن التعلقات الناسوتية لمشاهدة جمال اسرار الغيبية اللاهوتية.
(و انطق بها لسانه)
(٢) حتى يقول الحق و يرشد إليه و يصمت عن الباطل و يخوف عليه.
(و بصره عيوب الدنيا داءها و دواءها)
(٣) أما عيوبها فهى انها دار بالبلاء محفوفة و بالغدر معروفة و بالفناء موصوفة لا تدوم أحوالها و لا يسلم من الافات نزالها أحوالها مختلفة و أوضاعها متبدلة و نعمها منصرمة، العيش فيها مذموم و الامان فيها معدوم و الطالب لها مغموم و أهلها اغراض مستهدفة ترميهم بسهامها و تفنيهم بحمامها، و أما داءها فهو الغفلة عن الحضرة الربوبية
[١] قوله «و لا يلتفت الى سواه و هذا زهد المحبين» ربما يختلج فى اذهان سفلة الناس أن المحروم من لذة الاكل و النكاح محروم من السعادة و يلزم من ذلك أن تكون الملائكة المقربون و الارواح المقدسة القدسية أنقص من الحيوان فى اللذات و السعادات بل ربما يتوهم بعض المتفلسفين ان علم هؤلاء المقربين أنقص من علوم الحيوانات العجم فى الكيفية لان المحسوسات انما تدرك بآلات مادية مركبة من هذه العناصر الاربعة و ليس لهم حواس بهذه الصفة فلا يدركون النور و الالوان و جمال الطبيعة و زينتها و الاصوات و غير ذلك وفاق عليهم الحيوان و الانسان بهذه المزية و لو كان صحيحا لكان الواجب تعالى أيضا مثلهم فى ذلك و كيف يتوهم عاقل أن من خلق طبقات العين و شكل الجليدية و لون العنبية و ركب عليها الاشفار و الحواجب لا يكون عالما بالنور و خواصه و هكذا ساير الاعضاء. و الصحيح أن ادراك الاشياء لا يتوقف على وجود جسم و مادة تتأثر بل هى مانعة عن الادراك ذاتا و لكن اللّه تعالى لما قدر ترقى الوجود من أسفل مراتبه و هو المادة الى أعلى درجاته و هو العقل فلم يكن بد من أن يمر فى طريقه على مادة يأخذ طرفا من الادراك فصار حيوانا و انسانا و هو منزل بين عدم الادراك المادى و الادراك الكامل العقلى فيترقى تدريجا فى الادراك و يضعف فى المادية فيصير ادراكا صرفا يجتمع فيه جميع السعادات اذ ما من كمال و لذة و بهجة الا و سببها الادراك و لا يعقل أن يكون الزاهد المعرض عن الدنيا السافلة المقبل بكليته الى أشرف الموجودات و أعزها و أكملها و ادراك عين الكمال أدون فى السعادة و البهجة من المنهمك فى الشهوات خصوصا مع مشاهدة أمارات الخلود و البقاء و الأمن من الموت الّذي هو اشد المخاوف على الاحياء و الانسان اذا ارتقى الى مقام التحقق بالعقل ليس كمن كان فى بيت له شبابيك من الحواس يطلع منها على الاشياء ثم حبس و سد عليه تلك الشبابيك و منع من ادراك الموجودات بل بمنزلة من يخرق حواجب المكان و الزمان و يحضر عند كل شيء وفق لادراكه و الاتصال به و بالجملة يوجد للنفوس الناطقة بدلا عن الحواس المادية ما يدرك به الاشياء أكمل مما كانت تدركه كما يفتح للنائم عين ينظر بها بعد سلب العين الظاهرة و ليس هذا ممتنعا فى قدرته تعالى و ليس ادراك الانسان بعد الموت منحصرا فى مطالعة خيالاته المحفوظة فى ذهنه. (ش)