شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢١٥ - الحديث التاسع
الشبيبة قبل الكبر و في الحياة قبل الممات، فو الّذي نفس محمّد بيده ما بعد الدّنيا من مستعتب و ما بعدها من دار إلّا الجنّة أو النار.
على العمل و تحمل المشاق في أيام الشباب أقوى أو لأن القوى في أيامه قوية و كمال العمل تابع لقوتها. أو لأن العمل اذ صار ملكة في أيامه سهل عليه في أيام الكبر أو لانه ينبغى أن يكون ميول القلب في أيامه الى الطاعة و الانقياد للاوامر و النواهى ليكون ما يرد على لوح نفسه من الكمالات النافعة في الآخرة [١] على لوح صاف عن كدر الباطل و لو عكس و جعل أوائل ميوله و ارادته الى المعاصى تسود مرآة نفسه بالملكات الردية فلم يكد يقبل بعد ذلك الاستضاءة بنور الحق فكان من الاخسرين أعمالا.
(و في الحياة قبل الممات)
(١) لان العمل بعد الموت منقطع كما أشار إليه
بقوله:
(فو الّذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من مستعتب)
(٢) مستعتب مصدر على زنة المفعول طلب الرضا أو اسم فاعل على احتمال بمعنى طالبه و العتب و العتاب التوبيخ و السخط للذنب و التقصير، يقال عتب عليه عتبا من بابى ضرب و قتل، و عاتبه معاتبة و عتابا أى وبخه و لامه و سخط عليه لذنبه و تقصيره و الاعتاب الازالة لكون الهمزة للسلب فهو بمعنى الرضا، يقال أعتبه اعتابا أى أزال عنه العتاب و عاد الى مسرته و رضاه، و الاستعتاب طلب الاعتاب و الرضا بازالة ما عوتب عليه و المعنى ليس بعد الدنيا من استرضاء و اقالة ذنب و قبول عذر كما قال تعالى وَ إِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمٰا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ فالمعتب بفتح التاء المرضى أى أن يطلبوا الرضا و المسرة عنه تعالى و يستقيلوه فلا يرضى عنهم و لا يسرهم و لا يقيلهم لان محل الاستعتاب و الاعتاب و الاستقالة و الاقالة انما هو الدنيا قبل حضور الموت و أما بعده فهو دار جزاء.
(و ما بعدها من دار الا الجنة أو النار)
(٣) فمن أطاع ربه في الدنيا فالجنة داره و مثواه و من عصاه فالنار منزله و مأواه. و المقصود من هذا الحديث حث المكلف على اغتنام الفرصة في زمن المهلة للاستعتاب و الاعتذار و التوبة و الاستغفار و الاستيقاظ عن سنة الغفلة و الاجتهاد و رائى الاعمال و الاستعداد لما بعد الموت لئلا يقع بعده في الحسرة و الندامة فيعتذر فلا-
[١] قوله «على لوح نفسه من الكمالات النافعة في الآخرة» هذا ما جرى عليه علماء الاخلاق و يدل عليه قوله تعالى يَوْمَ لٰا يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لٰا بَنُونَ إِلّٰا مَنْ أَتَى اللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لان بنائهم على أن المؤثر بالذات في السعادة الاخروية هو الكمالات الحاصلة للنفس الانسانية بسبب الملكات الكريمة، و أما عمل الجوارح كالصلاة و الصيام و الحج فانما يؤثر بالتسبيب و بالعرض لانه يوجب رسوخ الملكات، و رسوخ الملكات يوجب السعادة في الآخرة. فعمل الجوارح سبب سبب السعادة و لا يفيد ان لم يكسب للنفس ملكة راسخة، أو صفة ثابتة. (ش)