شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٨٩ - الحديث الأول
..........
عبارة عن الاقبال الى الواردات من الحق و تلقيها بالقبول، و السرور بها لكونها تحفة و هدية منه تعالى له منافع كثيرة. و القضاء الامر و الحكم و الخلق على وفق التقدير الازلى، و من ثمة قيل: القضاء و القدر متلازمان لا ينفك أحدهما عن الاخر اذ القدر بمنزلة الاساس و القضاء بمنزلة البناء و وجه كون الصبر و الرضا رأس الطاعة ظاهر اذ بانتفاء الصبر في المصيبات و العبادات و المنهيات يتحقق الجزع و الشكوى عن اللّه. و ترك الطاعات و فعل المنهيات و كل ذلك يوجب انتفاء الطاعة، و بانتفاء الرضا يتحقق السخط و هو أيضا يوجب انتفاء الطاعة لان بناء الطاعة على المحبة، و بناء السخط على البغض، و هما لا يجتمعان. و اعلم أن رضا العبد و سروره فيما أحب سهل. لانه موافق لطبعه. و أما رضاه فيما كرهه فصعب لانه مخالف لطبعه و ميله الى شيء و الى ضده مشكل، و من ثمة ذهب جماعة من الناس الى أن الرضا بما يستكرهه الطبع و يخالف هوى النفس كالبلايا و المصائب غير ممكن، و غاية ما يمكن هى الصبر عنه، و الجواب عنه أن الرضا ثمرة المحبة الكاملة و محبة العبد للرب اذا بلغت حد الكمال يمكن أن يرجح ارادته على إرادة نفسه. بل يمكن أن لا يرى لنفسه مرادا غير مراده تعالى لاستغراقه في بحر المحبة، أو لان فعل المحبوب مثله محبوب. أو لانه لا يجد في نفسه الالم لاشتغال قلبه به. و غفلته عن نفسه فضلا عن الامور الموافقة لها، كما أن المجاهد لتوغله في الجهاد قد لا يجد ألم الجراحة و بالجملة هو أمر ممكن الا انه صعب نادر ثم الرضاء بالشيء لا ينافى الدعاء لرفعه خلافا لطائفة من المتصوفة المبتدعة حيث قالوا: ان شرط الرضاء ترك الدعاء لرفع البلاء و طلب النعماء. لان طلب رفع امر وارد منه تعالى و حصول غيره ينافى الرضا بما حكم به، و هم في طرف الافراط، و الطائفة الاولى في طرف التفريط. و الجواب عنه أولا بالنقض و هو أن دعاء الأنبياء و الأوصياء و حثهم عليه أمر مشهور، و في الكتب السماوية و غيرها مذكور و لا ينكره أحد من أهل الاسلام، و ثانيا بالمنع لانا لا نسلم أن الطلب المذكور ينافى الرضاء و انما المنافى له استكراه النفس بالواردات من عند اللّه تعالى و الطلب لا يستلزم الاستكراه، و ثالثا بالحل و هو أن الدعاء عبادة أمر اللّه تعالى بها غير مرة لتضمنها انكسار القلب و عجزه و تضرعه و تواضعه و خشوعه و مخالفة امر اللّه تعالى تنافى الرضا و هاهنا بحث مشهور و هو أن المعصية و الكفر بلية، و الرضا بهما معصية و كفر فكيف يعد من الفضائل و كيف يطلبه الشارع، و اجيب عنه بأنه مستثنى لورود النهى عنه كما نقله الغزالى، و أجاب هو بأن المعصية من قضاء اللّه تعالى و لكن لها وجهان: أحدهما كونهما من فعل العبد باختياره و سببا لمقته، و ثانيهما كونها بقضاء اللّه و تقديره عدم خلو العالم منها و لا بد من الرضا بها على هذا الوجه