دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٤٣ - صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب أم لا؟
أو تكون؟ قيل: بظهورها فيه؛ إما لغلبة الاستعمال فيه أو لغلبة وجوده أو أكمليته و الكل كما ترى؛ ضرورة: إن الاستعمال في الندب و كذا وجوده، ليس بأقل لو لم يكن بأكثر. و أما الأكملية فغير موجبة للظهور؛ إذ الظهور لا يكاد يكون إلّا لشدة أنس اللفظ بالمعنى، بحيث يصير وجها له. و مجرد الأكملية لا يوجبه كما لا يخفى.
نعم (١)؛ فيما كان الآمر بصدد البيان، فقضية مقدمات الحكمة هو الحمل على
الصيغة في الندب ليس بأقل لو لم يكن بأكثر من استعمالها في الوجوب، و كذلك وجود الوجوب أيضا ليس بأكثر لو لم يكن بأقل من الندب، فهذا الجواب في الحقيقة يرجع إلى منع الصغرى أعني: كثرة استعمال صيغة الأمر في الوجوب، أو كثرة وجوده من الندب؛ لأن الاستعمال في الندب، و كذا وجوده الخارجي لو لم يكن أكثر من الوجوب فليس بأقلّ منه.
و أما أكملية الوجوب: فهي غير موجبة للظهور في الوجوب؛ لأن الظهور إنما ينشأ من شدة أنس اللفظ بالمعنى؛ بحيث يصير وجها و مرآة له، على حدّ إذا أحضر المتكلم اللفظ كأنّه أحضر المعنى بعينه. و الأكملية وحدها لا توجب ذلك حتى يقال: إن الأكملية دليل على ظهور صيغة الأمر في الوجوب، و هذا الجواب يرجع إلى منع الكبرى؛ بمعنى: أن الصغرى- و هي الأكملية- و إن كانت مسلمة إلّا إنها لا توجب ظهور اللفظ فيه كما عرفت، فإن مجرد الأكملية لا يوجب شدة الأنس بين اللفظ و المعنى كما أشار إليه بقوله: «و مجرد الأكملية لا يوجبه».
(١) لمّا أبطل المصنف الوجوه الثلاثة المتقدمة سلك طريقا آخر لاستظهار الوجوب من الصيغة؛ فقال بظهورها فيه عند الإطلاق و تمامية مقدمات الحكمة فيقال: إن مقدمات الحكمة تقتضي الوجوب؛ لأن المتكلم في مقام البيان و إرادة الندب من مجرد الطلب المستفاد من الصيغة غير ممكنة، لاحتياج إرادته إلى مزيد بيان، و عدم كفاية نفس الطلب في ذلك، حيث إن مميّز الندب- و هو الترخيص في الترك- ليس من سنخ الطلب حتى يصح الاعتماد عليه في بيانه، هذا بخلاف الوجوب فان مميّزه- و هو المنع من الترك- من سنخ الطلب، لأن المنع من الترك هو نفس الطلب حقيقة، لأنه عبارة أخرى عن طلب عدم الترك الذي هو عين طلب الفعل، فيجوز للمتكلم الاتكال في بيانه على ما يدل على طبيعة الطلب؛ من دون لزوم محذور إخلال بالغرض، فإطلاق الطلب كاف في إرادة الوجوب دون الندب؛ لأن فصل الندب- و هو الترخيص في الترك- أمر زائد على الطلب، فيحتاج إلى مزيد بيان، فلا يمكن الاتكال في بيانه على ما يدل على نفس الطلب لتحديد الطلب فيه بأمر خارج عن حقيقته، بخلاف الوجوب فإنه لا تحديد فيه