دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٤ - التحقيق في وضع الحروف
القول الأول: أنّ الحروف لها معان في قبال المعاني الاسميّة؛ بمعنى: أنّ معانيها معان غير مستقلة بخلاف المعاني الاسمية فإنّها معان مستقلة.
القول الثاني: أنّ الحروف لم توضع لمعنى أصلا، بل حالها حال علامات الإعراب فوضعت لأن تكون قرينة على كيفيّة إرادة مدخولها؛ مثلا: وضعت لفظة «في» في قولنا زيد في الدار لأن تكون قرينة على ملاحظة الدار؛ لا بما هو موجود عيني خارجي، بل بما هي موجود أيني و ظرف مكان لزيد مثلا، لأنّ الدار تارة تلاحظ بما أنّ لها وجود عيني خارجي فيقال: دار زيد كذا. و أخرى: بما أنّ لها وجود أيني أي: ظرف مكان لشيء آخر فيقال: زيد في الدار، فكلمة «في» في قولنا زيد في الدار وضعت لتدل على أنّ الدار لوحظت بنحو الأينيّة لا العينية. و هذا القول منسوب إلى نجم الأئمة المحقق الرضي فقال: إنّ الحروف لا معاني لها، بل هي علامات لخصوصية المعاني الموجودة في مدخولاتها.
القول الثالث: أنّ الحروف وضعت للمعاني الكلية، كأسماء الأجناس، فلا فرق بين معاني الحروف و الأسماء في عالم المفهومية، كما لا فرق بينهما من حيث الوضع و الموضوع له و المستعمل فيه، و أنّ الكل فيها عامّ؛ و إنّما الفرق بينهما يكون فيما هو خارج عن حريم المعنى و هو: الاستقلالية في الأسماء، و الآلية في الحروف، و هما من قيود الوضع و مميزاته- على ما سيأتي توضيحه- من دون أن تكونا دخيلتين في الموضوع له، فالمعنى في حدّ ذاته لا يتصف بالاستقلال و لا بعدمه، و إنّما نشأ كل منهما من اشتراط الواضع و هما من توابع الاستعمال و شئونه. هذا ما اختاره المصنف «(قدس سره)»، و قد صرّح به بقوله: «و التحقيق ...» إلخ.
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنّ في وضع الحروف و الأسماء المرادفة كلفظي «من و ابتداء» مثلا أقوال:
القول الأول: ما اشتهر بين المتأخرين من أنّهما مختلفان في جزئية الموضوع له و كليته؛ بمعنى: أنّ الموضوع له في الحروف خاص و جزئي، و في الأسماء عام و كلي حيث لاحظ و تصور الواضع مفهوم الابتداء، و وضع لفظه للمفهوم العام الكلي، و وضع لفظة «من» لمصاديق ذلك المفهوم الكلي، فالوضع فيهما عام و الموضوع له و المستعمل فيه في الاسم عام، و في الحرف خاص. هذا ما تقدم في كلام المصنف حيث أشار إليه بقوله: «فقد توهم أنّه وضع الحروف».