دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٣٩ - في مدلول الجمل الخبرية الواردة في مقام الطلب
فإنه يقال (١): إنما يلزم الكذب إذا أتى بها (٢) بداعي الإخبار و الإعلام؛ لا لداعي البعث، كيف (٣)؟ و إلّا يلزم الكذب في غالب الكنايات؛ فمثل: «زيد كثير الرماد»، أو «مهزول الفصيل» لا يكون كذبا إذا قيل كناية عن جوده و لو لم يكن له رماد أو فصيل أصلا، و إنما يكون كذبا إذا لم يكن بجواد، فيكون (٤) الطلب بالخبر في مقام
(١) حاصل الجواب عن إشكال لزوم الكذب في كلامه تعالى هو: أن مطلق الخبر لا يتصف بالصدق و الكذب أي: ليس في مطلق الخبر احتمال الصدق و الكذب؛ بل في خصوص الخبر الذي قصد به الإعلام، فإذا قصد بالجملة الخبرية البعث دون الإعلام كما هو مفروض البحث؛ لا يتصف الخبر بشيء منهما. و عليه: فلا يلزم من الإخبار بالجمل الخبرية الواقعة في مقام الطلب كذب أصلا.
(٢) أي: بالجمل الخبرية.
(٣) أي: كيف يكون الإخبار بداعي البعث مستلزما للكذب؟ و لو كان كذلك لزم الكذب في غالب الكنايات المستعملة لإفادة الملزوم فقط لا اللازم و الملزوم معا؛ إذ يجوز الجمع بين اللازم و الملزوم عند أهل البيان، و هذا هو الفارق بين الكناية و المجاز، حيث لا يجوز الجمع بين الحقيقة و المجاز، فإن المجاز عندهم ملزوم قرينة معاندة للحقيقة بخلاف الكناية. فمثل: «زيد كثير الرماد» أو «زيد جبان الكلب»، أو «زيد مهزول الفصيل» و نحوها لا يكون كذبا إذا قيل: بأن كثرة الرماد، و جبان الكلب، و هزال الفصيل كناية عن جوده كما هو كذلك.
أما المثال الأول: فلأن الجود مستلزم لكثرة الضيوف؛ المستلزمة لكثرة الطبخ؛ المستلزمة لكثرة الرماد.
و أما الثاني: فلأن الجود مستلزم لكثرة الضيوف؛ المستلزمة لكثرة زجر الكلب، المستلزمة لجبنه إذ من لا يمر عليه الضيف كان كلبه جريئا.
و أما الثالث: فلأن الجود مستلزم لكثرة الضيوف؛ المستلزمة لإعطاء لبن الناقة للضيوف؛ المستلزم لهزال فصيلها.
و الحاصل: أن هذه الجمل صادقة و إن لم يكن لزيد رماد أو كلب أو فصيل أصلا؛ و إنما يلزم الكذب إذا لم يكن جوادا. و محل الكلام من هذا القبيل، فحاصل تنظير الجمل الخبرية الواقعة في مقام الطلب بباب الكنايات: إنه كما لا تكون المعاني المكنى بها مثل كثرة الرماد مثلا موردا للصدق و الكذب، مع كون الكلام خبرا في باب الكنايات فكذلك الجمل الخبرية التي قصد بها البعث لا الإعلام لا تتصف بالصدق و الكذب.
(٤) الفاء في قوله: «فيكون الطلب ...» إلخ للتفريع و الترتيب. أي: فيترتب و يتفرع