دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٠٧ - ردّ المصنف على القول بالكلام النفسي
إن قلت: (١) فما ذا يكون مدلولا عليه عند الأصحاب و المعتزلة؟
قلت: (٢) أما الجمل الخبرية: فهي دالة على ثبوت النسبة بين طرفيها، أو نفيها في نفس الأمر من ذهن أو خارج؛ كالإنسان نوع أو كاتب. و أما الصيغ الإنشائية: فهي- على ما حققناه في بعض فوائدنا (٣)- موجدة لمعانيها في نفس الأمر، أي: قصد ثبوت معانيها و تحققها بها، و هذا نحو من الوجود.
و ربما يكون هذا (٤) منشأ لانتزاع اعتبار مترتب عليه شرعا و عرفا آثار؛ كما هو
(١) قد عرفت توضيح هذا السؤال مع الجواب، و ملخص ذلك: أنه بعد إنكار الصفة الزائدة القائمة بالنفس؛ المسماة بالكلام النفسي الزائدة على الصفات المشهورة، و إنكار كون تلك الصفات مدلولات للكلام اللفظي أيضا، فما ذا يكون مدلولا عليه عند الأصحاب و المعتزلة بالجمل الخبرية و الإنشائية، و الأشاعرة قد استراحوا بجعل الكلام النفسي مدلولا للكلام اللفظي.
(٢) أي: الجواب عن السؤال: أن الجمل الخبرية تدل على ثبوت النسبة؛ إذا كانت موجبة، و على نفيها إذا كانت سالبة في نفس الأمر أي: سواء كان في عالم الذهن فقط كقولنا: «الإنسان نوع»، أم كان في عالم الخارج نحو: «الإنسان كاتب»، و كذا السالبة نحو: «لا شيء من الإنسان بحجر». فقوله: «من ذهن أو خارج» بيان لنفس الأمر.
و أما الصيغ الإنشائية مثل الأمر و النهي و الاستفهام و نحوها: فهي لا تدل على شيء، بل وضعت لقصد إيجاد معانيها بواسطتها؛ بمعنى: أن المتكلم قد يكون قاصدا للإخبار عن المعاني بالألفاظ؛ كما في الجمل الخبرية، و قد يكون قاصدا لإيجاد المعاني و المفاهيم بالألفاظ، كما في الجمل الإنشائية.
فالجمل الإنشائية: وضعت لإيجاد مفاهيمها في وعاء الاعتبار، في قبال وعاء الخارج و الذهن، فإن الوجود الإنشائي نحو من الوجود، فيكون منشأ للآثار، و موضوعا للأحكام، كما في العقود و الإيقاعات مثل: إنشاء التمليك في البيع، و إنشاء الزوجية، و الحرية، و الطلاق و نحو ذلك؛ مما يترتب عليه الأحكام التكليفية و الوضعية.
(٣) فوائد الأصول، ص ٢٣.
(٤) أي: الوجود الإنشائي الاعتباري «منشأ لانتزاع اعتبار مترتب عليه» أي: على هذا الوجود الإنشائي الاعتباري «شرعا و عرفا» أي: على سبيل منع الخلو «آثار» أي:
مترتب عليه آثار شرعية أو عرفية.
و حاصل الكلام في المقام: أن الوجود الإنشائي منشأ لانتزاع اعتبار كالزوجية