إعراب القرآن - الزجاج - الصفحة ٨٨٦ - الباب السادس و السبعون
ألا ترى أصحابنا يعتقدون أن الفعل بعد «إذا» هذه فى موضع اسم مجرور، و لذلك رفعوه، أعنى لوقوعه موقع الاسم.
فالجواب: أنا إنما ركبنا هذه الضرورة فى اللفظ محافظة على صحة المعنى، و ذلك إن «إذا» هذه واجبة، ألا تراهم يقولون: آتيك إذا احمرّ البسر، و لا يجيزون، آتيك أن احمرّ البسر، لأن احمرار البسر واقع لا محالة، و «إن» مشكوك فى فعلها، يجوز وقوعه و لا يجب، و «متى» كان فى ذلك ليست بواجبة الفعل، ألا ترى إلى قول طرفة:
متى تأتنا نصبحك كأسا رويّة # و إن كنت عنها غانيا فاغن و ازدد [١]
أي: فاثبت على حال غناك. و إذا كانت «متى» لم يحسن أن تجعلها بدلا من «إذا» ، لأن «إذا» معروفة مقصورة على موضع و واجبة، و «متى» شائعة غير واجبة، فلو أبدلت «متى» من «إذا» ، و هى على ما هى عليه من كونها واجبة مضافة، كنت قد أبدلت الأعمّ من الأخص، فكما لا يجوز: ضربت رأس زيد زيدا، على أن تبدل «زيدا» من «رأسه» ، لما فى ذلك من التراجع عن الخصوص إلى العموم، كذلك لا يحسن أن تبدل «متى» من «إذا» و «إذا» ، على معتاد حالها من كونها خالصة واجبة، فإذا لم يجز ذلك عدلت بها إلى إخلاصها و اطرحها و إمحاضها شرطا البتة، فإذا حصلت له شاعت شيوع جميع حروف الشرط، و إذا شاعت فارقت موضعها من الإضافة و خلصت شرطا أن يحكم على موضع الفعل بعدها بالجزم فى المعنى، و إن لم يظهر ذلك إلى اللفظ، و إذا كان كذلك حملت «إذا» فى بيت «الهذلي» على أنها الجازمة فى الضرورة، لما عليك
[١] الكتاب (٢: ٣٠٣) .